معالجات اخبارية

تطبيق “يبوس” الحكومي يتحول إلى فخ للمساس بحقوق الموظفين المالية

أثار تطبيق “يبوس” الذي أطلقته الحكومة في رام الله لإدارة جزء من الأزمة المالية المتفاقمة، موجة واسعة من الانتقادات والاعتراضات بين موظفي القطاع العام، مع تصاعد التحذيرات من أن شروط استخدامه تمنح الحكومة صلاحيات واسعة قد تمس بحقوق الموظفين المالية، في وقت تعاني فيه السلطة من أزمة سيولة مزمنة أدت إلى تراكم مستحقات العاملين لديها إلى أكثر من ثلاثة مليارات دولار.

وأطلقت وزارة المالية التطبيق باعتباره منصة إلكترونية تتيح لموظفي القطاع العام استخدام جزء من مستحقاتهم المالية غير المصروفة لسداد فواتير الكهرباء والمياه والاتصالات والإنترنت، عبر خصم تلك المبالغ من الديون المستحقة لهم لدى الحكومة، في خطوة قالت إنها تهدف إلى تخفيف الأعباء المعيشية عن الموظفين وتوفير آلية للاستفادة من المستحقات المتراكمة.

ويستهدف التطبيق نحو 150 ألف موظف حكومي، مع سقف استخدام شهري يصل إلى 500 شيكل، وإمكانية ترحيل الرصيد غير المستخدم إلى الأشهر اللاحقة.

كما خضع التطبيق لتجربة أولية استمرت أسبوعين وشملت أربع مؤسسات حكومية، قبل إعلان وزارة المالية نيتها تعميمه على جميع موظفي القطاع العام، مع خطط مستقبلية لإشراك المتقاعدين والعاملين بعقود مؤقتة.

ورغم تقديم التطبيق باعتباره وسيلة للتخفيف من تداعيات الأزمة المالية، فإن الإعلان عنه قوبل بحالة واسعة من الريبة بين الموظفين، الذين أبدوا مخاوف تتعلق بآلية إدارة البيانات الشخصية والمصرفية، إضافة إلى الغموض القانوني الذي يحيط بالاتفاقية المطلوب الموافقة عليها قبل استخدام التطبيق.

تطبيق يبوس الحكومي

تزايدت حدة الانتقادات بعد تداول قانونيين ومحامين بنودًا واردة في اتفاقية الاستخدام، اعتبروا أنها تتجاوز ما هو مألوف في التطبيقات المخصصة لدفع الفواتير، وتمنح وزارة المالية صلاحيات واسعة في تحصيل أي مبالغ قد تعتبر مستحقة مستقبلاً.

وقال أحد المحامين، في قراءة قانونية لشروط التطبيق، إن أكثر ما لفت انتباهه هو أن الاتفاقية صيغت “بلغة قانونية محكمة أكثر من المعتاد”، وتتضمن عبارات من قبيل “تفويض دائم وغير قابل للإلغاء”، و”أي مستحقات حالية أو مستقبلية”، إضافة إلى النص على أن “تطبق أحكام جباية الأموال العامة”.

وأوضح أن هذه العبارات “ليست مما يدرج عادة في تطبيق بسيط لدفع الفواتير، وإنما تهدف إلى حماية وزارة المالية وضمان تحصيل أي مبالغ قد تصبح مستحقة لها دون الحاجة إلى إجراءات إضافية”.

وأضاف أن المادة السادسة من الاتفاقية صيغت بصلاحيات أوسع مما تستدعيه طبيعة التطبيق، معتبرًا أنه لو كان الأمر يتعلق به شخصيًا لفضّل تعديلها بحيث يقتصر التفويض على الديون أو المبالغ الناشئة عن استخدام التطبيق فقط، بدلاً من الصياغة العامة التي تشمل “أي مستحقات حالية أو مستقبلية”.

ودعا المحامي الموظفين إلى عدم الموافقة على شروط الاستخدام قبل الحصول على توضيح رسمي ومكتوب من وزارة المالية أو من النقابات المختصة، يؤكد أن الموافقة على الاتفاقية لا تمثل تنازلًا عن أي مستحقات أو حقوق وظيفية، وأن التفويض بالاقتطاع يقتصر فقط على الالتزامات الناتجة عن استخدام التطبيق، معتبرًا أن مثل هذا التوضيح من شأنه إزالة أي غموض قانوني مستقبلي.

يبوس .. أداة تمنح الحكومة صلاحيات إضافية

أثارت الملاحظات القانونية المذكورة أعلاه نقاشًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي وبين الأوساط النقابية، حيث اعتبر عدد من الموظفين أن التطبيق قد يتحول إلى أداة تمنح الحكومة صلاحيات إضافية على مستحقاتهم المالية، في ظل استمرار أزمة الرواتب وعدم وجود جدول زمني واضح لصرف الديون المتراكمة.

ويرى مختصون قانونيون التطبيق أن المشكلة لا تكمن في توفير وسيلة إلكترونية لدفع الفواتير، وإنما في البنود القانونية المرافقة لها، والتي تمنح وزارة المالية مساحة واسعة لتفسير الالتزامات المالية مستقبلاً، وهو ما دفع البعض إلى وصف التطبيق بأنه “فخ قانوني” قد يترتب عليه المساس بحقوق الموظفين دون ضمانات كافية.

كما امتدت الانتقادات إلى ملف حماية البيانات، حيث أعرب موظفون عن خشيتهم من آلية التعامل مع المعلومات الشخصية والبيانات المصرفية، في ظل غياب تشريعات واضحة تنظم عمل التطبيق أو تحدد مسؤوليات الجهات المشغلة له، الأمر الذي زاد من المخاوف المتعلقة بالخصوصية والأمن الرقمي.

ويأتي إطلاق “يبوس” في ظل واحدة من أصعب الأزمات المالية التي تواجهها السلطة، حيث تعاني الحكومة منذ سنوات من تراجع الإيرادات، واستمرار الاقتطاعات الإسرائيلية من أموال المقاصة، وتراجع المساعدات الخارجية فضلا عن تشفس الفساد، وهو ما انعكس على انتظام صرف الرواتب وتراكم المستحقات المالية لموظفي القطاع العام.

ويعكس حجم الاعتراضات التي رافقت إطلاق تطبيق يبوس اتساع فجوة الثقة بين الموظفين والحكومة، في ظل شعور متزايد بأن الحلول المطروحة تركز على إدارة الأزمة المالية أكثر من معالجتها بصورة جذرية، بينما تستمر المستحقات المالية بالتراكم دون خطة واضحة لتسويتها.

كما أن الحكومة في رام الله باتت منشغلة بإدارة التحديات اليومية المرتبطة بتوفير السيولة، وتأمين الرواتب، وجباية الضرائب، والبحث عن مصادر تمويل مؤقتة، أكثر من انشغالها بوضع سياسات اقتصادية قادرة على إنهاء الأزمة المالية أو استعادة ثقة الموظفين.

وفي ظل استمرار الجدل، تتصاعد الدعوات إلى مراجعة اتفاقية استخدام تطبيق “يبوس”، وإدخال تعديلات تضمن حصر صلاحيات الاقتطاع في الالتزامات الناشئة عن استخدام التطبيق، مع توفير ضمانات قانونية صريحة تحمي الحقوق الوظيفية والمالية للموظفين، بما يسهم في تعزيز الثقة ويحول دون نشوء نزاعات قانونية مستقبلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى