معالجات اخبارية

تحقيق يكشف ضياع أكثر من 90% من أملاك منظمة التحرير في لبنان وسوريا

كشف تحقيق استقصائي عن واحدة من أخطر قضايا المال الفلسطيني العام، تتمثل في ضياع أكثر من 90% من ممتلكات وأصول منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان وسوريا، وسط عقود من الغموض الإداري وتداخل الصلاحيات وغياب السجلات المركزية، وتسجيل عقارات عامة بأسماء أفراد، فضلاً عن عمليات بيع واستيلاء ونقل ملكيات أثارت تساؤلات واسعة بشأن مصير إرث مالي وعقاري يفترض أنه ملك للشعب الفلسطيني.

وبحسب التحقيق الذي نشرته صحيفة “العربي الجديد”، فإن ما بقي في حوزة منظمة التحرير من أملاك لا يمثل سوى جزء محدود من أصول ضخمة جرى تكوينها على مدى عقود، بتمويل من الصندوق القومي الفلسطيني ومساهمات الفلسطينيين في دول عربية عدة، قبل أن تتحول تلك الثروة العقارية إلى ملف شديد التعقيد يصعب حتى على المؤسسات الفلسطينية نفسها حصره بصورة دقيقة.

وتعود خطورة القضية إلى طبيعة هذه الممتلكات، التي شملت مقرات سياسية ودبلوماسية، ومؤسسات تعليمية وصحية، وشققاً سكنية، وأراضي واسعة، ومراكز تدريب، ومرافق اقتصادية أنشئت في مراحل مختلفة لخدمة المشروع الوطني الفلسطيني.

وتكشف الوثائق التي استند إليها التحقيق أن الصندوق القومي الفلسطيني لعب دوراً أساسياً في تمويل منظمة التحرير منذ تأسيسها، مستنداً إلى موارد شملت مساهمات مالية وضرائب اقتطعت من دخول الفلسطينيين في عدد من الدول العربية، بينها العراق وليبيا والإمارات والبحرين والكويت، ما يجعل الأصول المتراكمة، من الناحية المعنوية والوطنية، نتاجاً لجهود وموارد فلسطينية جماعية لا ملكية خاصة لأفراد أو جهات حزبية.

الأملاك الفلسطينية في سوريا

تبرز سوريا بوصفها إحدى الساحات الأكثر تعقيداً في ملف الأملاك الفلسطينية. فبحسب مصادر تمتلك المنظمة هناك نحو 240 عقاراً، بينها أراض واسعة ومؤسسات تعليمية واجتماعية، ومن أبرزها أرض تبلغ مساحتها نحو ألف دونم في منطقة عدرا تضم المدينة التعليمية لأبناء شهداء ومجاهدي فلسطين.

غير أن هذه الأصول لم تسلم من الصراعات السياسية والانقسامات الفلسطينية، إذ يشير التحقيق إلى أن جزءاً كبيراً من أملاك حركة فتح في سوريا تعرض للاستيلاء والبيع، خصوصاً بعد انشقاق عام 1983، فيما تحدث الباحث نبيل السهلي عن فقدان أو بيع ما بين 60 و70% من أملاك الحركة في سوريا، سواء بطرق قانونية أو عبر عمليات وصفها بالاحتيالية.

أما في لبنان، فتبدو الصورة أكثر ضبابية بسبب غياب سجل مركزي واضح يحدد عدد العقارات التي كانت منظمة التحرير تمتلكها وما بقي منها فعلياً. وتكشف القضية عن تسجيل عدد من الممتلكات بأسماء أفراد أو شخصيات، ما أدى في حالات عديدة إلى انتقالها لاحقاً إلى الورثة أو دخولها في نزاعات وعمليات بيع.

ويمثل تسجيل المال العام بأسماء أشخاص أحد أخطر جوانب الملف، إذ يحول وفاة الشخص المسجلة باسمه الملكية إلى مشكلة قانونية معقدة، وقد يفتح الطريق أمام انتقال العقار إلى ورثته، حتى لو كان قد اشتري أصلاً بأموال فلسطينية عامة.

التداخل التاريخي بين فتح ومنظمة التحرير

يشير التحقيق إلى أن التشابك بين أملاك منظمة التحرير وأملاك سلطة رام الله وأملاك حركة فتح خلق “منطقة رمادية” استمرت لعقود.

فمنظمة التحرير يفترض أن تدير أملاكاً عامة للشعب الفلسطيني عبر مؤسساتها الرسمية، بينما تعد أملاك فتح، من الناحية القانونية، ملكية حزبية، لكن التداخل التاريخي بين الحركة والمنظمة أدى عملياً إلى غياب الحدود الواضحة بين المال العام والمال التنظيمي.

ووصف أحد المسؤولين الفلسطينيين العاملين على الملف الوضع بأنه شديد التعقيد، مؤكداً أن الممتلكات سجلت بطرق مختلفة، بعضها بأسماء أفراد وبعضها باسم الصندوق القومي الفلسطيني أو مؤسسات فلسطينية أخرى، في ظل غياب سجل مركزي مكتمل.

وتوصل المصدر إلى تقدير صادم، مفاده أن أكثر من 90% من الممتلكات الفلسطينية في لبنان وسوريا ضاعت أو خرجت من يد منظمة التحرير، وأن الجهود الحالية تتركز على حصر ما تبقى قبل أن يلحق بالمفقود.

بموازاة ذلك يثير مستقبل الممتلكات التي يمكن استعادتها مخاوف جديدة. فقد تحدث التحقيق عن هواجس فلسطينية من أن تتحول عمليات الحصر والاستعادة إلى مقدمة لبيع بعض الأصول أو التصرف بها بعيداً عن الرقابة، خصوصاً في ظل الأزمة المالية التي تواجهها السلطة الفلسطينية والغموض الذي يحيط بعمل الجهات المشرفة على الملف.

ودعت جهات فلسطينية إلى التعامل مع هذه الممتلكات باعتبارها مالاً عاماً لا يجوز التفريط به، فيما طُرحت مقترحات لإنشاء صندوق وطني مستقل تودع فيه الأصول المستعادة، وتخصص عائداتها لإعادة إعمار المخيمات الفلسطينية المتضررة في سوريا ولبنان ومساعدة الفئات الأكثر فقراً.

ويكشف التحقيق في النهاية أن القضية تتجاوز مجرد البحث عن عقارات ضائعة، لتطرح سؤالاً أكبر حول كيفية إدارة المال الفلسطيني العام طوال العقود الماضية، ومن يتحمل مسؤولية ضياع هذه الأصول، ولماذا بقيت المنظمة عاجزة حتى اليوم عن تقديم سجل شفاف وكامل بممتلكاتها.

ففي الوقت الذي يعيش فيه اللاجئون الفلسطينيون أزمات اقتصادية وإنسانية متفاقمة، تبقى أصول ضخمة، اشتريت بأموال الفلسطينيين وتبرعاتهم وضرائبهم، إما مفقودة أو متنازعاً عليها أو مسجلة بأسماء أفراد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى