تحليلات واراء

قراءة في حالة التكيف الرسمي لسلطة رام الله مع العدوان الإسرائيلي الشامل

يتزايد الجدول والتساؤلات في الأوساط السياسية الفلسطينية بشأن طبيعة تعاطي سلطة رام الله مع العدوان الإسرائيلي الشامل سواء في الضفة الغربية وقطاع غزة، في ظل استمرار العمليات العسكرية، وتوسع الاستيطان، وتصاعد اقتحامات المستوطنين، وغياب أي أفق سياسي لإحياء مسار التسوية.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي نزار السهلي أن هذا المشهد يعكس “حالة تكيف رسمي” مع الوقائع التي يفرضها الاحتلال، بدلاً من تبني سياسات جديدة تتناسب مع حجم التحولات الجارية.

ويشير السهلي إلى أن استمرار السلطة في التمسك بخيار العملية السلمية، رغم انهيارًا عمليًا لأسسها، يأتي في وقت تواصل فيه دولة الاحتلال بدعم أمريكي، سياسات تستهدف تكريس السيطرة على الأرض الفلسطينية ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة.

ويرى أن توسع الاستيطان، وتصاعد اقتحامات المدن والقرى، واستمرار الحرب على قطاع غزة، تمثل مؤشرات على انتقال السياسة الإسرائيلية إلى مرحلة فرض وقائع نهائية على الأرض.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

بحسب قراءة السهلي، فإن المشهد الميداني في الضفة الغربية يعكس تراجعًا متواصلًا لقدرة السلطة على التأثير في مجريات الأحداث، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وهجمات المستوطنين على القرى والتجمعات الفلسطينية، مقابل استمرار الخطاب الرسمي الذي يركز على الدعوات الموجهة إلى المجتمع الدولي والولايات المتحدة للتدخل، دون أن يقترن ذلك، بأي خطوات عملية تغير موازين الواقع.

ويشدد على أن دولة الاحتلال تجاوزت خلال السنوات الأخيرة حتى الإطار الذي تأسست عليه اتفاقيات أوسلو، معتبرًا أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تعد تخفي رفضها لإقامة دولة فلسطينية، بل تعمل بصورة معلنة على توسيع الاستيطان وضم الأراضي وفرض وقائع سياسية وأمنية جديدة، الأمر الذي يجعل استمرار الرهان الفلسطيني الرسمي على المسار ذاته موضع تساؤل.

ويعتبر الكاتب أن السلطة لم تستثمر المتغيرات التي فرضتها السياسات الإسرائيلية لإعادة تقييم خياراتها السياسية، بل واصلت التمسك بالمسارات القائمة، وعلى رأسها الالتزامات الأمنية المنبثقة عن اتفاق أوسلو، وهو ما أبقى العلاقة مع الاحتلال ضمن الإطار التقليدي، رغم التغيرات الكبيرة التي شهدها المشهد الفلسطيني والإقليمي.

وفي هذا السياق، يلفت السهلي إلى أن الشارع الفلسطيني لم يعد يكتفي بالبيانات الرسمية التي تدين الاعتداءات الإسرائيلية أو تطالب المجتمع الدولي بالتحرك، وإنما يتطلع إلى تبني سياسات مختلفة تعكس حجم التحديات الراهنة.

ويقول إن المرحلة الحالية تستدعي إطلاق مشروع سياسي وطني جديد يعيد تعريف أولويات الحركة الوطنية الفلسطينية، ويؤسس لاستراتيجية مواجهة تتجاوز الأدوات التقليدية التي حكمت أداء السلطة خلال العقود الماضية.

التنسيق الأمني المقدس ورهان التسوية

يربط الكاتب بين حالة التكيف الرسمي الفلسطيني وبين التحولات العربية تجاه دولة الاحتلال، معتبرًا أن استمرار السلطة في النهج السياسي القائم أسهم في توفير بيئة سمحت بتوسع مسارات التطبيع العربي مع تل أبيب، في وقت تواصل فيه الأخيرة سياساتها العسكرية والاستيطانية.

ويرى أن هذا الواقع أدى إلى تراجع الحضور الفلسطيني في أولويات الإقليم، بالتوازي مع استمرار الضغوط السياسية والاقتصادية التي تواجهها السلطة الفلسطينية.

ويتناول السهلي كذلك ملف الإصلاح داخل السلطة، معتبرًا أن الضغوط الإسرائيلية والأمريكية المتكررة تحت عنوان “إصلاح السلطة” لم تؤد إلى معالجة الأزمة السياسية، بل كرست حالة من الجمود السياسي، في ظل استمرار غياب مراجعة شاملة للخيارات التي انتهجتها القيادة الفلسطينية خلال العقود الماضية.

وفي معرض تقييمه للأداء الرسمي، يشير الكاتب إلى قضية الأسرى الفلسطينيين باعتبارها إحدى القضايا التي تعكس، تراجع الاهتمام الرسمي بملفات كانت تمثل تاريخيًا أحد أعمدة المشروع الوطني الفلسطيني.

إذ يبرز أن مكانة الأسرى في الخطاب السياسي الفلسطيني لم تعد تحظى بالمستوى ذاته من الحضور الذي كانت عليه خلال المراحل السابقة، وهو ما يعده انعكاسًا لتحولات أوسع في أولويات السلطة الفلسطينية.

كما يتوقف السهلي عند وضع منظمة التحرير الفلسطينية، معتبرًا أن المنظمة، التي شكلت لعقود الإطار الجامع للفلسطينيين، تواجه أزمة تتعلق بدورها وآليات عملها، في ظل غياب عملية إصلاح مؤسسي شاملة تعيد بناء مؤسساتها على أسس ديمقراطية وتوافقية.

ويرى أن استمرار هذا الواقع انعكس على مستوى الثقة الشعبية بالمؤسسات الوطنية، وعلى قدرتها في قيادة المرحلة الحالية.

ويخلص السهلي إلى أن استمرار السياسات الحالية، في ظل التصعيد الإسرائيلي المتواصل، يفرض على القوى الفلسطينية مراجعة شاملة لخياراتها السياسية والتنظيمية، والعمل على بلورة بدائل وطنية تستجيب للمتغيرات الراهنة.

وينبه إلى أن هذه البدائل ينبغي أن تقوم على إعادة بناء المؤسسات الوطنية، وتعزيز المشاركة السياسية، وصياغة برنامج وطني قادر على التعامل مع التحديات التي فرضتها المرحلة الحالية، في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي وتراجع فرص التسوية السياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى