تحليلات واراء

كيف تحول أخطر مشروع لسلطة رام الله إلى أداة دعاية دون نتائج عملية؟

فضح الإعلان عن أن 80% من “أملاك الدولة” في الضفة الغربية المحتلة تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي، الفشل المزمن لأخطر مشروع لسلطة رام الله بشأن حماية تسجيل الأراضي وتحوله إلى أداة دعاية دون نتائج عملية في مواجهة التغول الاستيطاني الإسرائيلي.

وقد كشفت أحدث بيانات سلطة الأراضي في سلطة رام الله، أن نحو 2.162 مليون دونم من أراضي الضفة الغربية بما فيها القدس المحتلة، أي 36.39% من إجمالي المساحة، ما زالت غير مسجلة أو قيد أعمال التسوية، فيما تبلغ مساحة “أملاك الدولة” نحو 570 ألف دونم، يقع أكثر من 80% منها في المناطق المصنفة “ج” والخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.

وتضع هذه الأرقام مشروع تسجيل الأراضي الذي تبنته السلطة منذ سنوات أمام اختبار صعب ويكشف حقيقته بوصفه وسيلة دعائية، بعدما تحول من مشروع قُدم باعتباره أداة لحماية الملكية الفلسطينية ومنع الاستيلاء على الأراضي إلى ملف تكشف بياناته الرسمية عن استمرار فجوة واسعة بين ما تعلنه السلطة وما يمكنها تثبيته فعلياً على الأرض.

وأعلنت سلطة الأراضي، أن مساحة الضفة الغربية بما فيها القدس المحتلة تبلغ نحو 5.843 ملايين دونم، سجل منها نحو 3.716 ملايين دونم، بما يعادل 63% من المساحة، مقابل 36.39% لا تزال غير مسجلة أو قيد التسوية حتى سبتمبر/أيلول 2026.

وقال رئيس سلطة الأراضي علاء التميمي إن نحو 1.987 مليون دونم جرى إنجاز تسويتها قبل إطلاق مشروع التسوية الفلسطيني عام 2016، بينما بلغت المساحة التي أنجزت السلطة أعمال تسويتها فيها منذ إطلاق المشروع نحو 1.756 مليون دونم، مع استكمال التسوية في 110 بلدات وقرى حتى نهاية 2025.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

بحسب أرقام رسمية، أصدرت السلطة أكثر من 100 ألف سند تسجيل وأنجزت أعمال تسوية في أكثر من 59 ألف دونم خلال النصف الأول من 2026، بينها أكثر من 35 ألف دونم باستخدام تقنيات حديثة، خصوصاً في المناطق المصنفة “ج” والمناطق عالية الخطورة.

لكن حجم الأراضي التي لا تزال خارج التسجيل الرسمي يطرح سؤالاً مختلفاً: هل تمكن المشروع فعلاً من أداء وظيفته الأساسية باعتباره وسيلة لحماية الأرض الفلسطينية في المناطق الأكثر تعرضاً للمصادرة والاستيطان؟

ويصبح السؤال أكثر إلحاحاً عند النظر إلى “أملاك الدولة”، إذ تقول السلطة إن نحو 570 ألف دونم مصنفة ضمن هذه الفئة، يقع أكثر من 80% منها في المناطق المصنفة “ج”. وتقول السلطة إن هذه الأراضي تمثل ملفاً ذا أهمية وطنية واقتصادية وتنموية، إلا أن وجود الجزء الأكبر منها في منطقة تخضع للسيطرة الإسرائيلية يجعل القدرة الفلسطينية على إدارة هذه الملكية وحمايتها وتثبيت وضعها القانوني محدودة عملياً.

وتواجه السلطة في المقابل تحولاً إسرائيلياً جعل ملف تسجيل الأراضي أكثر خطورة من السابق.

ففي 11 مايو/أيار 2025، قرر المجلس الوزاري الإسرائيلي للشؤون الأمنية والسياسية استئناف إجراءات تسجيل الأراضي في المنطقة “ج”، بعد تعليقها منذ عام 1968، كما وجه باتخاذ إجراءات لمنع سلطة الأراضي الفلسطينية من تنفيذ عمليات التسجيل في تلك المنطقة.

وأثار القرار تحذيرات أممية من تداعياته على حقوق الفلسطينيين في الملكية وعلى مستقبل الأرض في الضفة الغربية.

وتطور القرار لاحقاً إلى إجراءات عملية، إذ أقرت الحكومة الإسرائيلية في فبراير/شباط 2026 تخصيص نحو 244.1 مليون شيكل لإنشاء آلية لتسجيل وتسوية الأراضي في المنطقة “ج”، فيما حذرت الأمم المتحدة من أن الخطوة قد تؤدي إلى مزيد من نزع الملكية الفلسطينية وتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض.

سياسة سحب الذرائع

وبينما تحاول السلطة تثبيت الملكيات وإصدار السندات، تعمل دولة الاحتلال على إعادة تشغيل نظام تسجيل الأراضي في المنطقة “ج”، وهي المنطقة التي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية وتملك فيها تل أبيب السيطرة المدنية والأمنية وفق ترتيبات أوسلو.

وتظهر المفارقة في أن المشروع الفلسطيني، الذي كان يفترض أن يكون إحدى أهم أدوات حماية الأرض، لا يزال عاجزاً عن الوصول إلى جزء كبير من الأراضي التي تحتاج إلى حماية قانونية وإدارية، بينما تتقدم إسرائيل في بناء آلية تسجيل خاصة بها.

فالسلطة بدأت العمل على مشروع التسوية قبل إطلاقه بصورة فعلية عام 2016، وقدمت التسجيل باعتباره وسيلة لتثبيت ملكية الفلسطينيين وإنشاء سجل عقاري يحمي الحقوق من محاولات إعلان الأراضي “أراضي دولة” إسرائيلية.

غير أن مرور نحو عقد على إطلاق المشروع مع بقاء أكثر من ثلث أراضي الضفة غير مسجل أو قيد التسوية، وبقاء أكثر من 80% من “أملاك الدولة” في المنطقة “ج”، يظهر أن النتائج الميدانية لم تواكب حجم الرهان السياسي الذي وضعته السلطة على المشروع.

وتقول سلطة الأراضي إن المرحلة المقبلة ستعطي أولوية لتسريع أعمال التسوية في المناطق المصنفة “ج” والمناطق المهددة، وتثبيت الحقوق والملكيات، وتطوير التحول الرقمي ورفع جاهزية قطاع الأراضي للتعامل مع إعادة إعمار غزة.

لكن التحدي لم يعد مجرد تسريع المعاملات وإصدار مزيد من السندات. فالمعركة أصبحت مرتبطة بمن يملك القدرة الفعلية على الوصول إلى الأرض وتسجيلها وحمايتها ومنع تغيير وضعها القانوني.

ومع دخول الاحتلال الإسرائيلي في مسار تسجيل واسع داخل المنطقة “ج”، يصبح بقاء عشرات الآلاف من الدونمات خارج السجل الفلسطيني مشكلة تتجاوز الإدارة العقارية إلى صراع مباشر على مستقبل الملكية والسيادة على الأرض.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: كلما أعلنت السلطة عن أرقام جديدة للتسوية والتسجيل، تكشف الأرقام نفسها عن حجم ما لم تنجح بعد في تثبيته، فيما تتحول الإجراءات الإسرائيلية الجديدة إلى واقع قانوني وإداري منافس.

وبذلك لم يعد السؤال كم دونماً سجلت السلطة، بل ما الذي تستطيع فعلياً أن تمنع خسارته، خصوصاً في المناطق التي تقول بياناتها الرسمية إن الجزء الأكبر من أملاك الدولة الفلسطينية يقع فيها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى