غزة تكسر قدسية أيباك: من لوبي محصن إلى عبء انتخابي في الولايات المتحدة

دخلت قضية غزة بقوة غير مسبوقة إلى قلب السياسة في الولايات المتحدة الأميركية لتتحول من ملف خارجي يُدار في أروقة النخبة إلى عامل حاسم في معارك انتخابات التجديد النصفي المقبلة.
فالدعم الأميركي للاحتلال، ودور جماعات الضغط الإسرائيلية، وعلى رأسها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك)، باتت قضايا انتخابية مباشرة، لا سيما داخل الحزب الديمقراطي، في تحول يعكس تغيّرًا عميقًا في وعي الناخبين ومواقفهم.
وقد أطلق ناشطون وحركات قاعدية في الولايات المتحدة حملات إعلانية في الشوارع ومنصات التواصل الاجتماعي تستهدف فضح نفوذ أيباك وتمويلها السياسي، في محاولة لمنعها من التأثير على نتائج الانتخابات المقبلة.
وتُعد هذه الخطوة مؤشرًا واضحًا على أن غزة لم تعد مجرد عنوان تضامن، بل أصبحت معيارًا سياسيًا يُحاسَب عليه المرشحون، وفق ما أورد موقع Mondoweiss اليساري الأمريكي.
الانتخابات الأمريكية النصفية
بحسب تقارير صحفية أميركية، فإن موضوعات مثل غزة، وجماعات الضغط الإسرائيلية، والدعم الأميركي للاحتلال والفصل العنصري، بل وحتى توصيف ما يجري بأنه إبادة جماعية، ستلعب دورًا مركزيًا في انتخابات التجديد النصفي كما لم يحدث من قبل.
ودفع هذا الواقع الجديد أيباك إلى إعادة تموضعها، بعدما بات يُنظر إليها من قبل قطاع واسع من الناخبين باعتبارها جزءًا من المشكلة لا من الحل.
وصرحت النائبة الديمقراطية السابقة ماري نيومان بأن “العلامة التجارية لأيباك في الحضيض”، مؤكدة أن نظرة سلبية تجاهها باتت سائدة في مختلف أنحاء البلاد.
وأضافت أن الديمقراطيين، حتى الوسطيين منهم، يرفضون بشكل متزايد أي تمويل قادم من أيباك أو من لجان العمل السياسي المرتبطة بالشركات، معتبرين ذلك تدخلاً فاضحًا في العملية الديمقراطية.
في المقابل، لم يعد منتقدو أيباك يشعرون بالحاجة إلى العمل في الظل. فقد أطلقت مجموعات مثل “تراك أيباك” و”مواطنون ضد فساد أيباك” سلسلة إعلانات علنية تفضح حجم الأموال التي تضخها اللجنة في الحملات الانتخابية، وتدعو المرشحين إلى رفضها.
كما تطالب هذه المجموعات وزارة العدل بتطبيق قانون تسجيل الوكلاء الأجانب، ما قد يُلزم أيباك بالتسجيل رسميًا كوكيل أجنبي، إضافة إلى المطالبة بإلغاء حكم “Citizens United” الذي سمح بتدفق غير محدود للأموال إلى السياسة.
تغييرات داخل أيباك نفسها
ترافق هذا الضغط المتصاعد مع تغييرات داخل أيباك نفسها، حيث دخلت المنظمة مرحلة جديدة بتعيين متحدثة رسمية جديدة، في محاولة لإعادة صياغة خطابها وتخفيف حدة الرفض الشعبي.
غير أن هذا التغيير الشكلي لم ينجح حتى الآن في وقف التآكل المتسارع في صورتها العامة، خاصة في ظل استمرار الحرب على غزة وما رافقها من مشاهد الدمار والضحايا المدنيين.
وتجلّي هذا التحول بوضوح في سباقات انتخابية محددة، من بينها الدائرة العاشرة في ولاية نيويورك، حيث باتت إسرائيل وغزة موضوعين مركزيين في الحملة.
فالنائب الديمقراطي دان غولدمان يواجه تحديًا جديًا في الانتخابات التمهيدية، وسط تصاعد الانتقادات لدعمه العلني لإسرائيل وتلقيه تمويلًا كبيرًا من أيباك في حملته السابقة.
أما منافسه براد لاندر فقد جعل من رفض “تنفيذ أوامر أيباك” شعارًا صريحًا في حملته، في رسالة تعكس إدراكًا متزايدًا بأن الارتباط بجماعات الضغط الإسرائيلية بات عبئًا انتخابيًا وهو خطاب وجد صدى لدى قواعد ديمقراطية شابة وغاضبة، ترى في ما يجري في غزة اختبارًا أخلاقيًا لا يمكن القفز فوقه.
بدوره غولدمان حاول المناورة، فجمع بين إعلان دعمه لإسرائيل وانتقاد حكومة بنيامين نتنياهو، متحدثًا عن حل الدولتين وحق الفلسطينيين في تقرير المصير.
غير أن هذه اللغة الرمادية لم تعد كافية لإرضاء قاعدة حزبية باتت تطالب بمواقف أوضح. وعندما سُئل بشكل مباشر عما إذا كانت تل أبيب ترتكب إبادة جماعية في غزة، تهرّب من الإجابة، معتبرًا أن التوصيف “مسألة قانونية”، في موقف زاد من حدة الانتقادات ضده.
حتى الصحافة الأميركية التقليدية بدأت ترصد هذا التحول. فقد أقرّ غولدمان نفسه في مقال بصحيفة نيويورك تايمز بأن دعمه لإسرائيل قد يضرّ بحظوظه الانتخابية، في اعتراف نادر يعكس حجم التغير في المزاج العام داخل الحزب الديمقراطي.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يبدو أن غزة لا تغيّر موازين الشرق الأوسط فحسب، بل تعيد رسم المشهد السياسي في واشنطن أيضًا.





