فضيحة فساد جديدة للسلطة الفلسطينية بالتعيينات الدبلوماسية

تكشف قضية تعيين سمر عبد عوض الله سفيرة لدولة فلسطين لدى العراق عن فضيحة فساد جديدة تنسف الخطاب الرسمي للسلطة الفلسطينية حول “الإصلاح” و“إعادة بناء المؤسسات”، وتعيد إلى الواجهة منظومة المحسوبية والواسطة التي تحكم التعيينات السيادية، وخصوصًا في السلك الدبلوماسي.
وقد قدّمت عوض الله، في الرابع والعشرين من الشهر الجاري، أوراق اعتمادها إلى رئيس جمهورية العراق عبد اللطيف رشيد بصفتها سفيرًا مفوضًا فوق العادة لدولة فلسطين، في خطوة جاءت بعد أشهر من الترتيب الداخلي، لا بعد مسار قانوني أو مهني شفاف كما يفترض في التعيينات الدبلوماسية.
فساد السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
بحسب مصادر مطلعة على شؤون العمل الدبلوماسي، فإن عوض الله كانت موعودة بالمنصب منذ نحو خمسة أشهر، غير أن تأخير صدور القرار الرسمي ارتبط بإجراء تنقّلات داخلية لعدد من السفراء، وإحالة آخرين إلى التقاعد، بما أتاح لاحقًا تمرير التعيين ضمن “سلّة تغييرات” لتخفيف حدّة الاعتراضات.
تشير المصادر إلى أن تعيين سمر عبد عوض الله في بغداد لا يمكن فصله عن حسابات سياسية وشخصية، أبرزها استرضاء زوجها قيس عبد الكريم (أبو ليلى)، نائب الأمين العام السابق للجبهة الديمقراطية، والذي يحمل الجنسية العراقية، ويتمتع بعلاقات وثيقة داخل أطر منظمة التحرير الفلسطينية، فضلًا عن شبكة علاقاته في العراق.
وبحسب المصدر، فإن هذا التعيين جاء في إطار تبادل مصالح سياسي، لا علاقة له بالكفاءة أو الحاجة الدبلوماسية، وهو ما يتناقض بشكل مباشر مع الادعاءات الرسمية حول “إصلاح السلك الدبلوماسي” و“ضخ دماء جديدة”.
عائلة في قلب السلطة
لا يتوقف ملف الشبهات عند هذا الحد، إذ تُعد عوض الله جزءًا من عائلة متغلغلة في مفاصل السلطة الفلسطينية. فشقيقها عمر عوض الله يشغل منصب وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية، وهو موقع حساس له صلة مباشرة بالإشراف على البعثات الدبلوماسية والتعيينات.
أما شقيقها الآخر عوف عوض الله، فقد شغل سابقًا منصب مدير عام الإعلام في مجلس الوزراء خلال حكومة محمد اشتية، قبل أن يُجبر على الاستقالة على خلفية قضية فساد.
كما تولت شقيقتها سهى عوض الله مناصب عليا في وزارة الاقتصاد، قبل انتقالها مؤخرًا إلى موقع أمين عام الصناعات في الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية.
وتؤكد المصادر أن هذا التشابك العائلي في مواقع القرار يكرّس نموذج “الوراثة الوظيفية” داخل السلطة، ويحوّل المؤسسات العامة إلى مساحات مغلقة أمام الكفاءات المستقلة.
خرق صريح للقانون
يكتسب التعيين بعدًا أكثر خطورة بالنظر إلى مخالفة قانون السلك الدبلوماسي الفلسطيني.
فالمادة (3) من القانون تنص بوضوح على أن وزارة الخارجية تشرف على التعيينات والتنقلات “سياسيًا وإداريًا وماليًا وفقًا للقانون”.
وفي هذه الحالة، فإن وجود شقيق السفيرة في موقع إشرافي داخل الوزارة يشكّل تضارب مصالح فاضحًا لم يُتخذ حياله أي إجراء قانوني.
إضافة إلى ذلك، أكدت المصادر أن قرار التعيين لم يُنشر في جريدة الوقائع الفلسطينية، خلافًا للأصول القانونية والتنظيمية المعمول بها، ما يعزز الشبهات حول محاولة تمرير القرار بعيدًا عن أي رقابة أو مساءلة رسمية.
بلا مسابقة… بلا معايير
تشير المعلومات كذلك إلى أن التعيين لم يمر عبر المسار المهني المعتمد في السلك الدبلوماسي، والذي ينص على الإعلان عن شغور أي منصب دبلوماسي قبل 30 يومًا، وإجراء امتحانات متخصصة ومقابلات تقييمية، ورفع النتائج إلى وزير الخارجية، قبل توقيع قرار التعيين من قبل الرئيس محمود عباس.
في حالة عوض الله، لم تُعلن أي مسابقة، ولم تُنشر أي معايير، ولم تُعرض نتائج، ما يؤكد أن القرار كان سياسيًا جاهزًا، لا نتيجة تنافس مهني.
وتعيد هذه القضية طرح سؤال جوهري حول مصداقية حديث السلطة الفلسطينية عن الإصلاح ومكافحة الفساد، في وقت تتفاقم فيه الأزمات السياسية والاقتصادية، وتتصاعد فجوة الثقة بينها وبين الشارع الفلسطيني.
فبدل إعادة الاعتبار للكفاءة والنزاهة، تواصل السلطة إدارة مؤسساتها بمنطق الترضيات العائلية والفصائلية، ما يحوّل السلك الدبلوماسي من أداة تمثيل وطني إلى مكافأة سياسية، ويعمّق الشعور العام بأن الفساد لم يعد استثناءً، بل آلية حكم.





