الإمارات تكرس نفسها شريكا أمنيا للاحتلال في هندسة غزة ومحاصرة الإقليم

يتداول الإعلام العبري خلال الأيام الأخيرة معطيات خطيرة تتعلق بموافقة دولة الاحتلال الإسرائيلي على تولي دولة الإمارات أدوارًا مباشرة في قطاع غزة، تشمل إعداد مناهج تعليمية، وطرح ترتيبات لإقامة منطقة في رفح خاضعة لرقابة أمنية مشددة، إلى جانب رعاية ميليشيات محلية تعمل تحت إشراف غير مباشر.
ويرى مراقبون أن هذه المعطيات، التي قُدمت في الصحافة الإسرائيلية بوصفها “ترتيبات ما بعد الحرب”، لا يمكن فصلها عن هندسة إسرائيلية خالصة تهدف إلى إعادة تشكيل غزة كمساحة نفوذ أمني وسياسي، تُستخدم لاحقًا كورقة ضغط إقليمية ومخلب تهديد لدول الجوار.
فالدور الإماراتي في هذا السياق لا يظهر كدور إنساني أو إغاثي، بل كوظيفة سياسية وأمنية محددة: تعطيل أي تقدم فعلي في الإغاثة، وإسناد اشتراطات تُبقي وقف إطلاق النار معلقًا، ودعم مسارات تؤخر التنفيذ تحت ذرائع متكررة.
وبالتوازي، تُدار حملة منظمة لشيطنة وإقصاء الدورين القطري والتركي من مسار الوساطة، رغم كونهما الأكثر فاعلية في ملفات التهدئة وتبادل الأسرى. هذا الإقصاء ليس تفصيلاً إعلاميًا، بل شرطًا لازمًا لتمرير ترتيبات أمنية بديلة تتقاطع مع رؤية الاحتلال.
وبحسب مراقبين فإن المسألة هنا لم تعد “غزة” كقطاع محاصر، بل ملف نفوذ ملحّ يجري تحضيره ليكون جزءًا من مشروع إقليمي أوسع، يُعاد فيه تعريف دور غزة كـ“وكيل إبراهيمي” ضمن منظومة أمنية تخدم دولة الاحتلال، وتُستخدم لاحقًا في تطويق وحصار دول المنطقة.
ويتقاطع هذا المسار بوضوح مع تحركات موازية في اليمن، والصومال، والقرن الإفريقي، والسودان، حيث يظهر نمط واحد: دعم ميليشيات محلية، وتفكيك الدول من الداخل، وتأمين ممرات نفوذ تخدم ترتيبات أمنية خارجية.
تعاون الإمارات مع الاحتلال في التجسس على غزة
كشفت تسريبات أمنية مؤخرا عن طبيعة التعاون القائم بين الإمارات وجيش الاحتلال الإسرائيلي، تضمنت معلومات مصنفة «سري جدًا» تعود إلى فترة حرب الإبادة.
وتشير الوثائق، المنسوبة إلى أجهزة استخبارات إماراتية، تشير إلى تنفيذ مهام استخبارية داخل قطاع غزة، والمشاركة في زرع خلايا تجسس مرتبطة بالموساد خارج فلسطين، بما في ذلك دولة قطر، وفق ما ورد حرفيًا في الوثيقة.
وبحسب الوثيقة المعنونة «سري جدًا» والموجهة إلى «القيادة العليا لوحدة المعلومات المركزية» في الإمارات، والمؤرخة في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، فإنها تتناول «حالة التعاون الإماراتي–الإسرائيلي خلال عام 2024».
واللافت أن الوثيقة تُظهر استياءً إماراتيًا داخليًا من أسلوب التعامل الإسرائيلي، واصفة إياه بـ«التعالي والتكبر»، لكنها لا تنفي جوهر التعاون، بل تناقش فقط لغة الأوامر.
وتتضمن الوثيقة مذكرة داخلية برمز «أ» بتاريخ 6 أكتوبر/تشرين الأول 2024 حول «رفع مستوى العمل الاستخباري في غزة». والنص الوارد فيها يفضح طبيعة الانخراط، إذ يشير إلى أن الاحتلال «يوجه برفع مستوى العمل الاستخباراتي لفرقنا بداخل قطاع غزة»، وأن هذه الفرق تعمل «بالتوازي والتواصل والتنسيق مع فرقه».
كما تطالب المذكرة بتقارير أدق خلال شهر واحد، وتُذكّر بأن «الجنود المخلصين» يزوّدون الاحتلال بالأدوات والبرامج الحديثة، في خطاب يخلو من أي ادعاء بالشراكة المتكافئة.
أما المذكرة «ب»، فتتناول خطابًا موجّهًا من بنيامين نتنياهو بتاريخ 6 أبريل/نيسان 2024، وُصفت لغته بأنها تحمل «مفردات الاستغلال والتعالي والغرور»، وتضمّن أربع توجيهات مباشرة من أصل خمس نقاط.
ونقلت الوثيقة قول نتنياهو: «لاحظنا تصاعدًا ملحوظًا في الأنشطة المدعومة من حماس، مما يستدعي منا اتخاذ إجراءات استثنائية لحماية أمننا الوطني واستقرارنا» وذلك لتبرير توسيع الأدوار الأمنية وتكريس تدخلات خارجية في غزة.
في السياق قالت صحيفة «معاريف» إن التحالف العلني بين الإمارات وإسرائيل انتقل من التعاون الثنائي إلى هندسة محور إقليمي جديد.
ونقلت الصحيفة عن العقيد الاحتياط عميت يغور، المسؤول السابق في الشعبة الاستراتيجية بهيئة التخطيط في الجيش الإسرائيلي، قوله إن الشراكة مع الإمارات تمثل «فرصة استراتيجية» لتعزيز التوسع الإقليمي لإسرائيل.
وذهب يغور أبعد من ذلك حين وصف أبوظبي بأنها «الحليف العملي الحقيقي الوحيد لإسرائيل في العالم العربي».
وبحسب مراقبين فإن خطورة هذا التوصيف لا تكمن في المديح الإسرائيلي بحد ذاته، بل في ما يعكسه من انتقال الإمارات من دولة مطبّعة إلى شريك في صياغة النظام الإقليمي، بما يتجاوز الاقتصاد إلى الأمن والهندسة السياسية. ما كان يُوصف قبل أشهر بأنه “حلم” بات اليوم مسارًا عمليًا قطع شوطًا كبيرًا، يستثمر في لحظة إقليمية مضطربة لإعادة تعريف موازين القوى.





