تحليلات واراء

انتخابات تحت الوصاية: طعن قانوني واسع على شروط عباس للمشاركة البلدية

يتصاعد الجدل السياسي والقانوني في الضفة الغربية على خلفية قرار رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ربط المشاركة في انتخابات الهيئات المحلية بعدة شروط سياسية، اعتبرتها قوى وأحزاب ومؤسسات حقوقية إقصائية وتمس جوهر العملية الديمقراطية.

ويأتي هذا الجدل مع إعلان مجموعة محامون من أجل العدالة تقدمها بطعن رسمي أمام المحكمة الدستورية العليا، وكالةً عن أحزاب سياسية وقوى ديمقراطية وأعضاء مستقلين، ضد القرار بقانون رقم (23) لسنة 2025 المتعلق بالانتخابات المحلية.

ويستهدف الطعن المقدم بشكل مباشر النصوص التي تشترط على المرشحين للمجالس البلدية الالتزام بـ“برنامج منظمة التحرير الفلسطينية والشرعية الدولية”، وهو ما تفسّره الجهات الطاعنة باعتباره إلزامًا بالاعتراف بالاحتلال الإسرائيلي، وإقصاءً فعليًا لأي قوى أو أفراد لا يتبنون هذا المسار السياسي.

اشتراطات سياسية في انتخابات خدمية

تؤكد الجهات المعترضة أن الانتخابات البلدية، بحكم طبيعتها، انتخابات خدمية وإدارية تتعلق بإدارة شؤون المواطنين اليومية، ولا يجوز تحويلها إلى أداة فرز سياسي أو أيديولوجي.

وترى تلك الجهات أن ربط الترشح ببرنامج سياسي محدد يشكّل سابقة خطيرة، ويحوّل المجالس المحلية إلى امتداد للسلطة التنفيذية، بدل كونها هيئات منتخبة تمثل المجتمع المحلي بتعدديته.

وبحسب بيان محامون من أجل العدالة، فإن القرار بقانون يخالف مبادئ أساسية نصّ عليها القانون الأساسي الفلسطيني، وفي مقدمتها الحق في المشاركة السياسية، وتكافؤ الفرص، وحرية الرأي والانتماء السياسي.

كما اعتبرت المجموعة أن فرض التزام سياسي مسبق يشكل قيدًا غير مبرر على الحقوق الدستورية، ويقوض مبدأ الانتخابات الحرة والنزيهة.

عباس يربط الترشح بالاعتراف السياسي

اشترط رئيس السلطة المشاركة في الانتخابات المحلية بالالتزام بالبرنامج السياسي لمنظمة التحرير والاتفاقات الدولية الموقعة باسمها.

وقال عباس صراحة إنه لن يُسمح لأي حزب أو فرد بالترشح إذا لم يلتزم بهذه المرجعيات، معتبرًا أن ذلك “ضمانة للوحدة السياسية” ومنع “ازدواجية المواقف”.

غير أن هذا التبرير قوبل بانتقادات واسعة، حيث ترى غالبية القوى السياسية أن عباس يستخدم الانتخابات كأداة لإعادة إنتاج السيطرة السياسية، وإقصاء خصومه، لا سيما القوى التي ترفض مسار التسوية أو لا تعترف باتفاقات أوسلو.

وتؤكد هذه القوى أن منظمة التحرير نفسها تعاني من أزمة تمثيل، وأن استخدامها كمرجعية إقصائية في الانتخابات المحلية يزيد من تعميق الانقسام السياسي.

ويحذر مراقبون من أن اشتراطات عباس قد تفرغ الانتخابات البلدية من مضمونها، وتحولها إلى عملية شكلية محدودة النتائج، تشارك فيها قوى متقاربة سياسيًا، فيما يُمنع قطاع واسع من المجتمع من الترشح أو التمثيل.

ويشير هؤلاء إلى تجارب سابقة أُلغيت فيها الانتخابات أو جرى تعطيلها بذريعة “الظروف السياسية”، ما عزز الشكوك حول جدية السلطة في تجديد الشرعيات.

كما يلفت معارضون إلى التناقض بين الحديث عن تعزيز الديمقراطية، وبين فرض قيود سياسية مسبقة على حق الترشح، ويؤكدون أن الانتخابات، في أي نظام ديمقراطي، هي وسيلة لقياس المزاج الشعبي، لا أداة لإخضاعه لشروط السلطة.

مسار قانوني مفتوح

يضع الطعن المقدم للمحكمة الدستورية المؤسسة القضائية أمام اختبار حساس، في ظل سجل طويل من الانتقادات التي طالت استقلاليتها ودورها في تكريس قرارات السلطة التنفيذية.

ويطالب مقدمو الطعن بإلغاء المواد الإقصائية في القرار بقانون، وفتح باب الترشح على أساس الكفاءة والاختيار الشعبي، لا الولاء السياسي.

ويرى قانونيون أن استمرار العمل بالقانون بصيغته الحالية قد يفتح الباب أمام مزيد من الطعون، ويعرّض العملية الانتخابية برمتها لفقدان الشرعية، داخليًا وخارجيًا.

كما يحذرون من أن استخدام القضاء كأداة لتمرير اشتراطات سياسية سيعمّق أزمة الثقة بين المواطنين والمؤسسات الرسمية.

ولا ينحصر الجدل القائم في قانون الانتخابات المحلية، بل يعكس أزمة أوسع تتعلق بإدارة الحياة السياسية في الأراضي الفلسطينية، في ظل غياب الانتخابات التشريعية والرئاسية منذ سنوات، واستمرار الحكم بالمراسيم والقرارات بقانون.

ويعتبر معارضون أن اشتراطات عباس ليست سوى حلقة جديدة في مسار إغلاق المجال السياسي، وضبط المشاركة العامة وفق معايير تفرضها السلطة.

ويظهر ذلك أن انتخابات البلديات المقبلة تقف أمام مفترق حاسم: إما أن تُجرى كاستحقاق ديمقراطي يعبّر عن إرادة الناس، أو أن تتحول إلى عملية مقيدة تكرّس الواقع القائم.

ومع استمرار الطعن القضائي وتصاعد الاعتراضات، يبقى مصير الانتخابات مرهونًا بقدرة النظام السياسي على الفصل بين الإدارة المحلية والولاء السياسي، وهو فصل لم تُبدِ السلطة حتى الآن استعدادًا حقيقيًا للالتزام به.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى