تحليلات واراء

سلطة على حافة الانهيار: كيف دمر عباس ما تبقى من المشروع الوطني؟

أكدت دراسة تحليلية صدرت عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، أن السلطة الفلسطينية باتت على حافة الانهيار بعد أن دمر رئيسها محمود عباس ما تبقى من المشروع الوطني وحوّل الضفة الغربية إلى ممالك معزولة تخدم الاحتلال.

وبحسب التحليل تعيش السلطة اليوم أسوأ مراحلها منذ تأسيسها؛ كيان يتآكل من الداخل ويخضع من الخارج، وعاجز أمام تغوّل الاحتلال الإسرائيلي، ومشلول بفعل استبداد عباس الذي أمضى قرابة عقدين في الحكم دون شرعية انتخابية، مكبّلاً المؤسسات ومخنقاً الحياة السياسية حتى تحوّلت الضفة الغربية إلى خارطة من الجيوب المعزولة والفراغ الأمني والفصائلي.

وأبرز التحليل أنه بعيداً عن الروايات الرسمية، فإن السلطة الفلسطينية لم تعد قادرة – ولا راغبة – في مواجهة دولة الاحتلال الإسرائيلي، بعدما تحوّلت إلى آلية لضبط الفلسطينيين أكثر من كونها إطاراً للتحرر.

وأشار إلى أن التوسع الاستيطاني غير المسبوق، وعنف المستوطنين، والهيمنة العسكرية والاقتصادية الإسرائيلية، كل ذلك جرى في ظل سلطة ضعيفة فقدت أدواتها ومصداقيتها، بل ساهمت عملياً في جعل الاحتلال أقل تكلفة وأكثر رسوخاً.

ومع تفاقم الأزمة، باتت الضفة الغربية تتفتت إلى مناطق نفوذ منفصلة تملأ فراغها مجموعات محلية، وجهات فصائلية، وعصابات مسلحة. المجتمع المدني يتراجع، والبدائل السياسية تُقمع، واليأس يدفع أعداداً متزايدة من الشباب إلى الهجرة أو إلى صفوف المقاومة المسلحة.

عباس… رئيس مدى الحياة يُفكك الدولة ويحكم بمرسوم

بحسب التحليل الصادر عن المعهد الأوروبي فإن السبب المركزي لهذا الانهيار داخلي قبل أن يكون خارجياً هو محمود عباس.

فمنذ انتهاء ولايته قبل 16 عاماً، استولى الرئيس على كل مفاصل الحكم عبر سلسلة من الإجراءات التي دمّرت الضوابط المؤسسية:

حلّ المجلس التشريعي المنتخب عام 2018.

تعطيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية منذ 2006.

تعديل القانون الأساسي لتركيز الصلاحيات بيده.

السيطرة على القضاء، والمحافظين، وقادة الأجهزة الأمنية.

إغراق منظمة التحرير الفلسطينية بالمحسوبية وتعيينات بلا شفافية.

وأكد التحليل أن هذا التفكيك المنهجي حوّل السلطة من بنية سياسية يفترض أنها نواة دولة، إلى نظام شخصي يقوم على الولاءات والمراسيم الرئاسية، محصناً رئيسه من المساءلة الشعبية والرقابة المؤسسية.

منظمة التحرير… الهيكل الجاف الذي اختطفه عباس

لم تسلم منظمة التحرير – التي كانت يوماً مظلة التحرر الوطني – من العبث. فقد عمل عباس على تحويلها إلى واجهة شكلية:

رفع عدد أعضاء المجلس المركزي إلى 260 من دون معايير معلنة.

تعيين موالين في اللجنة التنفيذية.

إفراغ المجلس الوطني من دوره التمثيلي الحقيقي.

وبذلك أصبحت المنظمة مجرد ختم شرعي لقرارات الرئيس، محرومة من التعددية وروح الحوار التي شكّلت أساس مشروعها التاريخي.

الانقسام الداخلي وقود دائم لحكم عباس

منذ الانقسام الداخلي عام 2007، استخدم عباس الانشقاق كذريعة للبقاء في السلطة. أي محاولة للمصالحة كانت تنتهي على أبواب مكتبه، لأن أي اتفاق قد يفرض عليه شراكة أو انتخابات يرفضها.

وحتى في خضم حرب الإبادة على غزة، حين دفعت الضغوط الإقليمية والدولية باتجاه تشكيل حكومة توافق وطني، أفشل عباس كل مسعى عبر تشكيل حكومة منفردة برئاسته، وكأن هدفه ليس استعادة غزة بل استعادة الاحتكار.

وفي غياب آليات انتقال واضحة، بات مستقبل النظام الفلسطيني بعد عباس مفتوحاً على سيناريوهات خطيرة.

فالتنافس داخل حركة فتح على خلافته يهدد بتفجر صراع داخلي، خاصة بعد محاولة عباس فرض حسين الشيخ وريثاً سياسياً عبر إعلان دستوري جديد.

لكن الشيخ، الذي يحظى بتأييد شعبي لا يتجاوز 2%، يدرك أن الانتخابات قد تنهي طموحه، ما يجعله أقرب لتكرار نهج عباس: تأجيل الاقتراع، والحكم بمرسوم، والسيطرة على المحكمة الدستورية لضمان بقاء مفتوح.

سلطة بلا شرعية… وحركة وطنية بلا بوصلة

في ظل هذا الانهيار المطّرد، فقدت فتح شعبيتها ودورها التاريخي، وفقدت السلطة احترام الشارع الفلسطيني.

وفق استطلاعات حديثة، يطالب 83% من سكان الضفة باستقالة عباس، فيما يرى نصفهم أن حلّ السلطة بات ضرورة.

والشباب الفلسطيني غاضب، يشعر بأنه بلا تمثيل سياسي وبلا مستقبل. الانكماش الاقتصادي، البطالة، تقييد الحريات، قمع الاحتجاجات، كلها دفعت إلى انفجار عنيف في الثقة الشعبية بالنظام السياسي برمته.

وشكلت جريمة قتل الناشط نزار بنات على يد أجهزة السلطة علامة فارقة جيث كشف فيها الفلسطينيون أن السلطة لم تعد تُفرّق بين المعارض السياسي والمجرم، وأن “الأمن” أصبح أداة إسكات لا حماية.

بموازاة ذلك فإن دولة الاحتلال هي المستفيد الأكبر من الفوضى المنظمة في الضفة الغربية حيث تتعامل مع هذا الانهيار كفرصة ذهبية.

فما دام الفلسطينيون عاجزين عن إنتاج قيادة شرعية موحدة، تستطيع تل أبيب توسيع المستوطنات، تقويض أي مسار تفاوضي، وتبرير القمع تحت شعار “لا يوجد شريك”.

والسلطة الضعيفة – في وجهة النظر الإسرائيلية – أفضل من سلطة قوية تمتلك شرعية محلية وقدرة على تحدي الاحتلال.

نظام يتهاوى… وشعب يبحث عن بديل

اليوم تقف السلطة الفلسطينية على حافة الهاوية: كيان بلا سيادة، بلا شرعية، بلا مؤسسات فاعلة، يتآكل من الداخل ويُحاصر من الخارج.

وكل ذلك ليس نتيجة الاحتلال وحده، بل بسبب رئيس دمّر البنية السياسية الفلسطينية، وأدخل المشروع الوطني في نفق مظلم، وترك الشعب يواجه الاحتلال والاستيطان والتفكك دون قيادة حقيقية.

ويحذر التحليل من أن المرحلة المقبلة في الضفة الغربية مرشحة لمزيد من الفوضى في ظل صراع على الخلافة، انهيار الثقة الشعبية، تفاقم الضغوط الأمنية، وتقدم إسرائيلي سريع لابتلاع ما تبقى من الأرض.

وفي كل هذا المشهد، يقف محمود عباس كوجه لسلطة فقدت كل شيء: بوصلتها، شرعيتها، قدرتها على الحكم، بل حتى مبرر وجودها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى