تحليلات واراء

تبعات فرض انتخابات مفصّلة على مقاس أوسلو على القضية الفلسطينية

يجمع مراقبون على أن الساحة الفلسطينية تعيش واحدة من أخطر لحظاتها السياسية منذ تأسيس السلطة، في ظل محاولات فرض انتخابات محلية مفصّلة على مقاس أوسلو وما يحمله ذلك من تعبات على القضية الفلسطينية.

ويبرز الكاتب السياسي عبد الحميد صيام أن عباس الرئيس المنتهية ولايته منذ عام 2009 يسعى إلى فرض انتخابات قائمة على شرط الاعتراف باتفاق أوسلو، في خطوة تُقصي غالبية الشعب الفلسطيني وتعيد هندسة الهوية الوطنية بما يخدم مشروعًا سياسيًا منهارًا.

ويشير صيام إلى أن هذا المشهد لا يمكن فهمه بمعزل عن الدور المتضخم لمحمود عباس وحليفه الأبرز حسين الشيخ، اللذين تحولا خلال السنوات الأخيرة إلى ثنائي يقود مشروع تصفية بقايا التمثيل الوطني تحت غطاء الشرعية والانتخابات.

ووفق صيام، يسعى عباس إلى إجراء انتخابات تستند إلى معيار وحيد الاعتراف بأوسلو وهو ما يعني فعليا لو طُبق، إقصاء نحو 90% من الفلسطينيين حول العالم، وترك الساحة السياسية محصورة في مجموعة صغيرة من المنتفعين من بقاء السلطة بهيئتها الحالية.

ومن شأن ذلك أن يكرس انتخابات مفصّلة، لا هدف لها سوى إدامة الوضع القائم تقوم على سلطة بلا سيادة، مؤسسات بلا صلاحيات، وقيادة بلا شرعية.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

الأخطر أن هذا السلوك لا يُخفي فقط خوف عباس من أي مواجهة ديمقراطية حقيقية، بل يكشف عن رغبته في إعادة تعريف من هو الفلسطيني، ليس بناء على الانتماء الوطني أو التاريخ النضالي، بل وفق معيار سياسي يراعي انسجام الأفراد مع اتفاق أوسلو، الذي شكّل – بلا مبالغة – أكبر تراجع في مسيرة التحرر الفلسطيني.

ويشير صيام إلى أن أجهزة السلطة والمقربين منها، وليس المشروع الوطني، أصبحوا هم محور اهتمام هذه المنظومة. فالقضية تحولت في عقل القيادة إلى “مسألة إدارة” وليس “مسألة تمثيل”.

فبدل أن تكون السلطة أداة مقاومة في وجه الاحتلال، أصبحت أداة ضبط داخلي، تُحصر وظيفتها في التنسيق الأمني وإدارة جيوب السكان، فيما يتآكل كل ما تبقى من معنى السيادة والقرار.

ويمثل هذا التحول نتيجة مباشرة لسياسات عباس وحسين الشيخ، اللذين اعتمدا نموذجًا سلطويًا قائمًا على تركيز الصلاحيات بشكل استبدادي، وإدارة المشهد السياسي بالقرارات الفردية مع تغييب أي مؤسسات قادرة على المحاسبة وتعزيز نفوذ نخبة صغيرة مرتبطة بالسلطة الأمنية والسياسية.

بهذا المعنى، لم تعد السلطة كيانًا وطنيًا، بل إدارة بيروقراطية تحمي بقاءها حتى لو كان الثمن تفريغ المشروع الوطني من معناه.

واقع الضفة الغربية

يكشف الواقع الميداني حدود دور السلطة بشكل فاضح. فالمناطق المصنفة (ب) و(ج) خرجت بالكامل من صلاحيات السلطة، بينما لم تعد مناطق (أ) سوى جزر إدارية هشّة تقتحمها قوات الاحتلال بانتظام، حتى بوابات المقاطعة ذاتها لم تكن بمنأى عن هذه الاقتحامات.

وتزامن هذا الانهيار الخارجي مع انهيار داخلي ناجم عن ممارسات ديكتاتورية واضحة أبرز مظاهرها تعطيل المجلس التشريعي وتركيز السلطات الثلاث بيد الرئيس وإصدار القوانين بقرارات منفردة والأهم تغييب الانتخابات منذ 2006 وتضييق الخناق على أي حراك معارض.

وكرست السلطة بذلك نفسها كيانًا بلا مؤسسات فاعلة، وبات عباس يحكم عبر شبكة من المقربين، أبرزهم حسين الشيخ، الذي يُقدَّم عمليًا بوصفه “خليفة محتملًا”، رغم انعدام أي قاعدة شعبية له.

حسين الشيخ… مرشح 1% وواجهة مشروع بلا شرعية

تمنح استطلاعات الرأي الأخيرة الشيخ 1% فقط من الثقة الشعبية، وهو رقم يعكس ليس فقط ضعف شخصيته السياسية، بل عمق أزمة الشرعية التي تعيشها القيادة الحالية.

فترشيح شخص بهذه الهشاشة لا يعكس ثقة القيادة بقدراته، بل يكشف رهانًا على استمرار نموذج السلطة المعلّبة بزعيم يأتي من البنية الأمنية، لا يحتاج إلى شرعية جماهيرية لأن شرعيته تُستمد من السلطة ذاتها.

ويرى المراقبون أن ترسيخ الشيخ بوصفه وريثًا محاولة لإعادة إنتاج أزمة قديمة تقوم على قيادة منفصلة عن شعبها، مستندة إلى أجهزة أمنية لا إلى صناديق الاقتراع مع إعادة تعريف القضية لتصبح “إدارة تحت الاحتلال”.

ويثبت ذلك أن جوهر المشروع الذي يقوده عباس والشيخ هو تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى قضية إدارة داخلية، بحيث بدل الحديث عن مقاومة الاحتلال، بات الخطاب الرسمي متمسكًا بأوهام المفاوضات، ومشاريع اقتصادية تموّل استمرار السلطة، ومقايضات أمنية تهدف إلى حماية “الاستقرار” ونزع الذرائع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى