تحليلات واراء

دراسة: عباس يناور بالانتخابات لإطالة عمر سلطته وفرض ترتيبات لخلافته

وجهت دراسة بحثية انتقادات شديدة لرئيس سلطة رام الله محمود عباس، مؤكدة أن قراراته الأخيرة بشأن إجراء انتخابات تشريعية جاءت استجابة لضغوط خارجية ل”إعادة إصلاح” السلطة أكثر من كونها نابعة من إرادة وطنية وتستهدف في جوهرها إطالة عمر سلطته وفرض ترتيبات لخلافته.

وأكدت الدراسة الصادرة عن مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية مسؤولية عباس عن تعطيل المصالحة الوطنية الفلسطينية، وإفشال الانتخابات السابقة، وإضعاف المؤسسات الوطنية، والسعي إلى الحفاظ على سلطته عبر تعديلات انتخابية تمنح أفضلية لتياره، إلى جانب إعداد ترتيبات تضمن انتقال القيادة إلى حسين الشيخ.

وشددت الدراسة على أن السلطة بقيادة عباس فقدت حضورها السياسي والشعبي، وعجزت عن بلورة استراتيجية لمواجهة الحرب على غزة أو إعادة بناء المشروع الوطني، بينما تظل الانتخابات الفرصة الأخيرة لكسر هيمنة القيادة الحالية إذا أُجريت فعلاً.

وأبرزت الدراسة أنه، على الرغم من الأزمة غير المسبوقة التي يواجهها الفلسطينيون، لم ينبع أيٌّ من المراسيم التي أصدرها عباس من مسعى ذاتي لإحياء نظام سياسي أُصيب بالجمود أو لمواجهة العدوان الإسرائيلي.

فقد جاءت هذه الخطوات استجابة لضغوط خارجية تطالب بـ”إصلاح السلطة الفلسطينية”، وتهدف إلى إحياء حل الدولتين الذي بات منتهيًا عمليًا. وتأتي هذه الضغوط لتزيد من وطأة ما ترزح تحته مؤسسة هي، في الأساس، مفلسة ماليًا، وتبحث عن مقعد لها على طاولة لم تُدعَ إليها.

دوافع محمود عباس لإجراء الانتخابات

في سياق التعامل مع الأزمة الداخلية غير المسبوقة فلسطينيًا، سعت دول عدة، في مقدمتها المملكة العربية السعودية والنرويج، إلى إحياء المسار الدبلوماسي الذي يركز على إقامة دولة فلسطينية.

وشملت هذه الجهود منح اعتراف رسمي بدولة فلسطين. وتعلّق الرئيس محمود عباس بهذه المبادرة، المعروفة باسم “التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين”، باعتبارها شريان حياة سياسيًا واقتصاديًا. وشمل ذلك تعهدًا بإجراء إصلاحات مؤسسية وانتخابات، وإن بدا التزامه بها فاترًا.

وبحسب الدراسة، فإنه مهما تكن الدوافع وراء هذه الخطوات، تتيح الانتخابات فرصة ينبغي للفلسطينيين عدم تفويتها. فالإبادة الجماعية في غزة والتطهير العرقي المتسارع في الضفة الغربية لم يدفعا السياسة الفلسطينية نحو التغيير الذي تحتاج إليه بصورة ملحّة.

وما تزال قدرة الناخب مشلولة بفعل الخوف والإرهاق وغياب الرؤية المستقبلية. لذا، تبدو قدرة الانتخابات على إحداث التغيير محدودة، لكنها تظل الفرصة الأكثر ترجيحًا لكسر قبضة قيادة فاسدة ومستكينة في المؤسسات الفلسطينية.

فعلى مدى سنوات، نجحت السلطة الحالية بقيادة عباس في عرقلة المصالحة بين الفصائل، وإحياء المؤسسات، وإحداث تحول نحو استراتيجية جديدة للتحرر الوطني. ويتضح اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن إزاحة القوى التي تعرقل التغيير من مواقع السلطة هي السبيل الوحيد أمام الفلسطينيين لإطلاق نهضة سياسية.

مناورة لاستعادة الحضور السياسي

منذ 7 أكتوبر 2023، ازداد تهميش السلطة الفلسطينية أكثر من أي وقت مضى. وهي التي كانت تعاني أصلًا من تراجع هائل في شعبيتها بين الفلسطينيين، ناهيك عن الهجوم السياسي والاقتصادي الذي تتعرض له من حكومة إسرائيلية لا تمانع سقوطها.

وفي الوقت نفسه، استحوذت غزة على معظم الاهتمام والتحرك الدوليين، فيما تجاهلت الإدارة الأمريكية الحالية السلطة إلى حد كبير. ودفع ذلك قيادة السلطة إلى البحث بشدة عن استعادة حضورها، والانفتاح على التحول الديمقراطي طريقًا لاستعادة قبول المجتمع الدولي.

يشبه هذا الوضع، إلى حد ما، ما حدث مطلع عام 2021، حين وافقت حركة فتح، بالتنسيق مع حركة حماس والفصائل الأخرى، على إجراء انتخابات سعيًا إلى كسب دعم الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة جو بايدن.

لكن واشنطن اتخذت موقفًا مترددًا، واهتمت بإبقاء حماس خارج السلطة الفلسطينية أكثر من اهتمامها بإحياء العملية الديمقراطية. وفي النهاية، ألغى عباس الانتخابات قبل 23 يومًا من موعد الاقتراع.

وبحسب الدراسة، فإن الوضع يختلف هذه المرة، إذ تطالب الدول التي تدفع بأجندة الإصلاح بإجراء الانتخابات. ويبدو أن دافع عباس الأساسي يتمثل في احتواء هذا الضغط الخارجي من دون التخلي عن السلطة، أكثر من تحقيق مصلحة وطنية أوسع.

بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن عباس (90 عامًا) يعمل بصورة متواصلة على بناء خطة لخلافته تتمحور حول ذراعه اليمنى حسين الشيخ.

فقد عُيّن الشيخ أولًا عضوًا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ثم أصبح أمين سرها عام 2022.

وفي أبريل 2025، مُنح منصبين استُحدثا حديثًا: نائب رئيس دولة فلسطين، ونائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

وفي أكتوبر 2025، أصدر عباس مرسومًا يقضي بأن يتولى الشيخ الرئاسة بالإنابة لمدة تصل إلى 90 يومًا في حال وفاة عباس أو عجزه عن أداء مهامه. ولا يستند هذا الترتيب إلى أي أساس في الدستور الفلسطيني المؤقت، المعروف باسم القانون الأساسي.

وفي هذا العام، وبعد المؤتمر العام لحركة فتح الذي انعقد في مايو، انتُخب الشيخ أيضًا نائبًا لرئيس الحركة. وبذلك، اكتمل تموضعه لخلافة عباس المحتملة على رأس مختلف مؤسسات السلطة.

وخلال المؤتمر، انتُخب ابنه ياسر محمود عباس عضوًا في اللجنة المركزية، ليضع مواليًا آخر في موقع يساعده على توجيه الحركة.

ومع ذلك، يبقى من غير الواضح ما الذي سيحدث إذا انطلقت الحملات الانتخابية بكامل زخمها هذا الخريف. فقد يفقد عباس وفتح السيطرة على العملية، كما حدث خلال الدورة الانتخابية عام 2021، قبل أن يُلغي عباس الانتخابات في ظل انخراط سياسي شعبي واسع.

فقد ترشح نحو 1400 شخص، وتنافست 29 قائمة حزبية جديدة على 132 مقعدًا. والأهم أن شخصيات بارزة في حركة فتح انشقت وشكّلت قوائم منافسة.

أجندة الإصلاح الخارجي

تقف خلف كل هذه التطورات ضغوط خارجية تدفع عباس نحو صناديق الاقتراع، لكن قيمة هذه الضغوط ودوافعها تثيران الشكوك. وقد تكون توجهات كثير من الدول المشاركة في “التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين” جدية، لكن لهذا النوع من الانخراط سجلًا طويلًا من المواقف الاستعراضية التي لم تهدف يومًا إلى إحداث أي تغيير في الوضع القائم.

كذلك، ينتقل عبء التحرك إلى الطرف الفلسطيني الأضعف، الذي لا يملك خيارات كثيرة سوى الامتثال. وحتى في أفضل الأحوال، تقوم أجندة الإصلاح التي تنتهجها السلطة على تشخيص خاطئ، إذ تفشل في إدراك العقبة الفعلية أمام تحقيق السلام، والمتمثلة في التعنت الإسرائيلي.

ويعيد ذلك إلى الأذهان المرحلة التي غالبًا ما يجري تجاهلها، وهي تلك التي تقع بين عامي 2009 و2011، عندما حاول سلام فياض، رئيس وزراء الحكومة الفلسطينية آنذاك، بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية من القاعدة إلى القمة.

وقد راهن فياض على أن بناء نواة دولة قادرة على العمل، بما يشمل إصلاحات السوق الحرة وتعزيز التنسيق الأمني مع إسرائيل، سيُكافأ بمنح الفلسطينيين الاستقلال.

لكن ذلك المشروع انهار للسبب نفسه الذي يُرجح أن يؤدي إلى انهيار المشروع الحالي، إذ لم ترافقه ضغوط مماثلة في حجمها على الحكومة الإسرائيلية لدفعها فعليًا إلى السماح بقيام دولة فلسطينية.

واليوم، تغيب هذه الضغوط أكثر من أي وقت مضى. فعلى الرغم من جسامة الجرائم الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر، لم يُتخذ أي إجراء فعلي لوقف الإبادة الجماعية التي ترتكبها دولة الاحتلال أو لإجبارها على إنهاء احتلالها غير القانوني ونظام الفصل العنصري، كما تقتضي أحكام محكمة العدل الدولية.

ويُمثل إحجام معظم الحكومات الأوروبية والدول العربية وواشنطن عن العمل فعليًا لدفع حل الدولتين قدمًا عاملًا جامعًا، إذا كان ذلك ممكنًا أصلًا.

فطلب الإصلاح من سلطة فلسطينية عاجزة عن تحقيق أي خطوة جادة، ولا تمتلك الموارد المالية اللازمة، ليس في محله. كذلك، فإن مواجهة التعنت الإسرائيلي لها كلفة حقيقية. وهنا، يعكس التفاوت الذي تنطلق منه أجندة الإصلاح صعوبة حصول هذه الأجندة على المصداقية الشعبية.

كذلك، فمن غير الواضح إلى أي مدى ستضغط هذه الأطراف الخارجية على عباس للمضي في الانتخابات إذا شعر بأن سيطرته على السلطة بدأت تتراجع فعليًا.

ففي عام 2021، اتخذ عباس من منع إسرائيل الفلسطينيين في القدس من التصويت ذريعة لإلغاء الانتخابات، ومنح دولة الاحتلال بذلك، عمليًا، حق النقض على الديمقراطية الفلسطينية. وفي الوقت الراهن، يبقى من المستبعد جدًا أن تسمح الحكومة الإسرائيلية الحالية للفلسطينيين بالتصويت في المدينة.

ومن المقرر أن تُجرى الانتخابات الإسرائيلية قبل الانتخابات الفلسطينية بشهر، فيما يستغرق تشكيل ائتلاف حكومي إسرائيلي 50 يومًا في المتوسط.

ويُرجح ذلك بقاء الحكومة الحالية في السلطة، بما يتيح لها عرقلة التصويت في القدس. وقد يستخدم عباس عندها ذريعة القدس مرة أخرى، إذا سمح له “التحالف العالمي” بالتنصل من الانتخابات أو اختار تحديه.

والأهم أن الانتخابات لن تقدم إجابات عن تساؤلات أعمق تتعلق بجدوى استمرار السلطة الفلسطينية، وهي تساؤلات ينبغي أن تكون جزءًا من نقاش أوسع وأكثر إلحاحًا حول استراتيجية التحرر الوطني. أين تقف الحركة الوطنية الفلسطينية اليوم فعليًا، وإلى أين تتجه؟ وهل ينبغي أن تبقى السلطة الفلسطينية جزءًا منها في المستقبل؟ وماذا يعني إجراء انتخابات وسط إبادة جماعية وحملة تطهير عرقي مستمرتين، فيما دُمّرت غزة وتُفرَّغ مساحات واسعة من الضفة الغربية من سكانها وتُضم على أرض الواقع؟

لكن التشابك العميق بين السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير يجعل هذه الانتخابات عاملًا مؤثرًا ومباشرًا في أي محاولة لإعادة تشكيل الحركة الوطنية على نطاق أوسع. ويأتي ذلك بعد عامين ونصف العام من الجمود الصادم.

فقد عجزت منظمة التحرير عن بلورة أي رد على الإبادة الجماعية. ولم يجتمع المجلس الوطني الفلسطيني مرة واحدة طوال الهجوم. كما أخفقت القيادة في بلورة تحرك دبلوماسي موحد لمواجهة إقصائها شبه الكامل من ترتيبات ما بعد الحرب. وعجز الفلسطينيون في الداخل والشتات أيضًا عن تحدي بنية السلطة القائمة.

وفي ظل هذا الواقع، يصعب الرهان على أن يأتي التغيير من مسار داخلي آخر. لذلك، ينبغي اغتنام الفرص حين تظهر، حتى عندما تأتي من مصادر تثير الشكوك.

وتبقى الانتخابات، مهما كانت الحسابات التي دفعت إلى الدعوة إليها، الآلية الداخلية الوحيدة المتاحة للفلسطينيين التي يمكن أن تُحدث تغييرًا فعليًا.

وإذا أُجريت بالفعل، وهو أمر يظل موضع شك، فسيضطر عباس إلى المخاطرة بسيطرته عبر منافسة انتخابية فعلية، أو ستبدأ هذه السيطرة، على الأقل، بالتآكل.

وختمت الدراسة: “هذه هي الفرصة المتاحة أمام الفلسطينيين اليوم، بصرف النظر عن دوافع القيادة التي فتحت بابها. وينبغي أن ينصب الهدف الآن على الضغط على الأطراف الخارجية لضمان أن تُحدث هذه الانتخابات فرقًا فعليًا”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى