معالجات اخبارية

بالأرقام: فساد السلطة الفلسطينية يبتلع التمويل الخارجي بلا أثر على حياة المواطن

كشف مسح حديث عن أن حجم التمويل الخارجي المخصّص لمشاريع “التمويل التطويري” لصالح السلطة الفلسطينية بلغ نحو 483 مليون شيكل خلال عام 2025، أي ما يقارب 15% من إجمالي التمويل الخارجي الذي تلقته السلطة العام الماضي، والذي وصل إلى 3.2 مليار شيكل.

لكن المفارقة الصارخة أن هذا السيل من الأموال لم ينعكس بأي تحسينات ملموسة على حياة المواطنين، ولا على جودة الخدمات العامة، ولا حتى على مؤشرات التنمية الأساسية.

فالسلطة، كعادتها، سارعت إلى الترويج لرواية مفادها أن معظم هذه الأموال وُجّهت إلى “مشاريع تنموية ومؤسساتية” تهدف إلى تطوير البنية التحتية وتعزيز الاقتصاد وتحسين الخدمات.

غير أن الواقع على الأرض، كما يرصده المواطنون والخبراء على حد سواء، يقول شيئاً آخر تماماً حيث أموال تدخل ولا تخرج، مشاريع تُعلن ولا تُنجز، وموازنات تتحول إلى ما يشبه الصندوق الأسود الذي لا يعرف أحد كيف يُدار ولا أين يُصرف.

مشاريع على الورق… فقط

بحسب بيانات المسح، توزعت أموال التمويل التطويري على حزمة مشاريع ووزارات، أبرزها وزارة التربية والتعليم التي حصلت وحدها على 31.2 مليون شيكل، قيل إنها مخصصة لدعم تطوير البنية التعليمية والخدمات المدرسية.

إلا أن المدارس ما زالت تعاني من الاكتظاظ، ونقص الصيانة، وغياب المختبرات، وتردّي البيئة التعليمية، فيما يواصل المعلمون الشكوى من ضعف التدريب وتأخر المستحقات. السؤال البديهي هنا: أين ذهبت هذه الملايين؟ وما الذي تطوّر فعلياً داخل المدارس؟

الأمر لا يختلف كثيراً في المنطقة الصناعية في أريحا والأغوار، التي خُصص لها 740 ألف شيكل تحت شعار “تعزيز التنمية الاقتصادية وخلق فرص عمل”.

على الورق، تبدو الأهداف براقة، لكن على الأرض لا تزال المنطقة تعاني من ضعف الاستثمار، وغياب البنية التشغيلية الحقيقية، وانعدام فرص العمل المستدامة. لا مصانع جديدة، ولا طفرة تشغيل، ولا أثر واضح لهذا “الدعم التنموي” المعلن.

منح قديمة ومشاريع متعثرة

تكشف الأرقام أن جزءاً كبيراً من التمويل لم يذهب أصلاً إلى مشاريع جديدة، بل إلى منح قديمة لصالح الوزارات بلغت قيمتها نحو 178 مليون شيكل، إضافة إلى مشاريع أخرى بقيمة 273 مليون شيكل، كثير منها إما متعطل منذ سنوات أو يفتقر إلى الشفافية في التنفيذ والمتابعة.

عملياً، نحن أمام إعادة تدوير للأموال داخل الجهاز البيروقراطي نفسه، لا أمام استثمار تنموي حقيقي.

ويعكس هذا النمط من الصرف خللاً بنيوياً في إدارة المال العام: لا خطط واضحة، لا مؤشرات قياس للأثر، ولا رقابة فعّالة تضمن أن الأموال تصرف حيث يجب.

الأسوأ من ذلك أن السلطة تواصل مطالبة المانحين بالمزيد من الدعم، فيما تفشل في تقديم حساب جدي عن مصير ما تلقته بالفعل.

فساد بلا محاسبة

القضية هنا لا تتعلق فقط بسوء الإدارة، بل بشبهات فساد ممنهج. مشاريع وهمية أو متضخمة الكلفة، عطاءات تُمنح بلا منافسة حقيقية، غياب شبه كامل للتقارير العلنية، وانعدام الشفافية أمام الرأي العام.

من جهته المواطن الفلسطيني لا يرى سوى النتائج حيث خدمات متدهورة، بنية تحتية متهالكة، بطالة متفاقمة، وضرائب تُجبى بلا مقابل.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو شعارات “التنمية” التي ترفعها السلطة مجرد غطاء لغضّ الطرف عن شبكة مصالح مغلقة، تستفيد من تدفق الأموال الخارجية دون أن تُسأل عن النتائج.

فالتمويل التطويري، الذي يفترض أن يكون رافعة لتحسين حياة الناس وتعزيز صمودهم، تحوّل إلى مورد مالي لإدامة البيروقراطية وتسكين الأزمات مؤقتاً، لا حلّها.

ةالأخطر أن هذا المشهد يتكرر عاماً بعد عام، دون أن نشهد تحقيقات جادة أو محاسبة علنية للمسؤولين عن هدر المال العام وذلك تكريسا لنهج كامل يقوم على غياب الشفافية والتستر على الفساد المزمن.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى