تحليلات واراء

خفايا تحول أفريقيا إلى ساحة نفوذ إماراتي–إسرائيلي مشترك

تحولت أفريقيا خلال العقد الأخير إلى ساحة نفوذ إماراتي–إسرائيلي مشترك ومسرح مفتوح لإعادة تشكيل النفوذ السياسي والأمني، في نموذج يمزج المال بالقوة الصلبة، والموانئ بالقواعد العسكرية، والاستثمار بالتدخل المباشر.

وتبرز تحليلات لعدة وسائل إعلانم دولية أن التمدد الإماراتي الإسرائيلي في الدول الأفريقية بات متشابكاً على نحو متزايد في تحالف يتجاوز التطبيع إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية العميقة.

ووفق تقارير نشرتها صحيفة فاينانشال تايمز، ضخّت أبوظبي خلال السنوات العشر الماضية أكثر من 100 مليار دولار في أفريقيا، أي ما يفوق بثلاثة أو أربعة أضعاف الاستثمارات السعودية في القارّة.

والأخطر أن الإمارات تعهّدت في عامي 2022 و2023 وحدهما باستثمارات بلغت 97.3 مليار دولار، متجاوزة في حجم التزاماتها مجتمعةً ما تعهّدت به بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة والصين في الفترة نفسها ما يكشف عن مشروع نفوذ واسع، يهدف إلى الإمساك بمفاصل القارّة.

ولا تتركّز هذه الاستثمارات في القطاعات التقليدية فحسب، بل تمتد إلى الموانئ، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والتعدين، والزراعة.

وتشير تقارير متقاطعة، بينها ما نشره موقع The Africa Report، إلى سيطرة شركات إماراتية على نحو نصف موانئ أفريقيا، في ما بات يُعرف بـ“استراتيجية الأرخبيل”: السيطرة على المرافئ الحيوية وربطها بشبكات نقل وإمداد عابرة للحدود.

وتشكل الموانئ أدوات سيطرة على سلاسل الملاحة العالمية، من باب المندب إلى قناة السويس.

التطبيع الإماراتي الإسرائيلي

منذ حرب اليمن، كثفت الإمارات حضورها العسكري في شرق أفريقيا والبحر الأحمر، ووقّعت اتفاقات أمنية وعسكرية مع دول عدّة، بذريعة “مكافحة الإرهاب”.

وبحسب دراسة للمعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI)، يعتمد التدخل الإماراتي ثلاثة مسارات: التعاون الدفاعي الرسمي، مكافحة الإرهاب، ودعم قوى مسلّحة غير حكومية في مناطق النزاع، رغم النفي المتكرر من أبوظبي.

ويضع هذا النمط الإمارات في موقع فاعل أمني مباشر، لا مجرّد ممول. فقد دعمت حكومة إثيوبيا في حرب تيغراي، ولعبت دوراً محورياً في تمكين مليشيات الدعم السريع في السودان، وأسست مواقع عسكرية أو لوجستية في إريتريا، وأرض الصومال، وبونتلاند، وتشاد، وليبيا ما يشير لإعادة تشكيل موازين القوة داخل دول هشة بما يخدم مصالح خارجية.

في هذا السياق، يصبح التحالف الإماراتي–الإسرائيلي عاملاً مركزياً في فهم الصورة الكاملة. فالتقاطع بين الطرفين لا يقتصر على المصالح الاقتصادية، بل يمتد إلى الأمن، والاستخبارات، والتكنولوجيا العسكرية.

وتؤكد دراسة نشرها معهد العلاقات الإسرائيلية الأفريقية أن اتفاقات “أبراهام” فتحت أمام إسرائيل بوابة ذهبية إلى أفريقيا عبر الإمارات، التي باتت عملياً وسيطاً لتل أبيب في مناطق يصعب عليها النفاذ إليها مباشرة.

تعزيز النفوذ الإسرائيلي بغطاء إماراتي

تستفيد دولة الاحتلال الإسرائيلي من الغطاء الاقتصادي الإماراتي، ومن شبكاتها الاستثمارية الواسعة، لتوسيع حضورها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهي مناطق تمثّل شرياناً حيوياً لأمنها البحري.

في المقابل، تحصل أبوظبي على الخبرة الاستخبارية والتكنولوجية الإسرائيلية، وأنظمة المراقبة والرادار، وقدرات متقدمة في مجال الطائرات المسيّرة والأمن السيبراني وذلك في شراكة كاملة الأركان.

وكشف تقرير نشره Middle East Eye البريطاني أن القواعد الإماراتية في سقطرى والصومال شكّلت، بدعم أميركي وإسرائيلي مباشر، حلقة سيطرة على خليج عدن والقرن الأفريقي.

والأخطر أن ضباطاً إسرائيليين كانوا حاضرين على الأرض، وأن أنظمة رادار إسرائيلية نُصبت لرصد أي تحركات تهدّد دولة الاحتلال.

كما أشار التقرير إلى منصة استخبارية مشتركة تُعرف باسم “الكرة الكريستالية”، تُدار بتنسيق عالٍ بين أبوظبي وتل أبيب.

وتنسف هذه الوقائع الادعاء القائل إن الإمارات “فاعل اقتصادي محايد”، فحين تترافق الاستثمارات مع قواعد عسكرية، وحين تُستخدم الموانئ لأغراض أمنية، وحين يصبح المال جسراً لتمكين إسرائيل من اختراق أفريقيا، فإننا أمام مشروع نفوذ استعماري جديد بأدوات حديثة بما يعمق النزاعات ويغذي الانقسامات، ويحول أفريقيا إلى ساحة صراع بالوكالة.

وعليه باتت الإمارات رأس حربة لمشروع إقليمي يفتح الأبواب أمام دولة الاحتلال، ويعيد رسم خرائط السيطرة في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى