فتح بين شعار “الوحدة” وواقع الانقسام: صراعات القوائم تكشف أزمة بنيوية

يُظهر اقتراب موعد الانتخابات المحلية في الضفة الغربية حجم الارتباك داخل حركة فتح، مع تصاعد الخلافات الداخلية حول تشكيل القوائم وتسمية المرشحين، في مشهد يعكس تناقضًا صارخًا بين خطاب “الوحدة” الذي ترفعه الحركة والواقع التنظيمي الذي تعيشه.
وتدخل حركة فتح استحقاق انتخابات البلدية وهي منقسمة على نفسها، حيث تتعدد القوائم المحسوبة عليها داخل البلدات نفسها، في مؤشر واضح على غياب الانسجام الداخلي، وفشل القيادة في ضبط الخلافات أو توحيد القرار التنظيمي.
ففي بلدة بيت فوريك شرق نابلس، برز نموذج صارخ لهذا الانقسام، مع ظهور أكثر من قائمة مرتبطة بفتح. يقود إحداها القيادي والعميد في جهاز المخابرات العامة إبراهيم خطاطبة ضمن قائمة مستقلة، فيما تتقدم القائمة الرسمية “الصمود والعطاء” بقيادة الضابط في جهاز الأمن الوقائي يوسف حنني.
ويعكس هذا التعدد داخل الإطار التنظيمي الواحد تفككًا فعليًا في البنية الداخلية للحركة، حيث باتت الأجهزة الأمنية نفسها طرفًا في الصراع الانتخابي، بدل أن تكون جهة محايدة.
ويرى مراقبون أن هذا المشهد يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة القرار داخل الحركة، ومدى قدرتها على إدارة استحقاق انتخابي محلي، في وقت تعجز فيه عن توحيد قوائمها داخل بلدة واحدة.
قوائم فتح في الانتخابات البلدية
يتجاوز الأمر حدود بيت فوريك، حيث أن محافظات رئيسية مثل الخليل وطولكرم تشهد حالة مشابهة من التخبط، مع استمرار الخلافات حول اختيار مرشحي رئاسة البلديات حتى اللحظة الأخيرة.
ويكشف هذا التأخر في الحسم صراعًا على الأسماء والنفوذ الشخصي، وغياب رؤية سياسية موحدة، بحيث تتحول القوائم إلى ساحة تنافس بين مراكز القوى داخل الحركة، بدل أن تكون تعبيرًا عن برنامج انتخابي يخاطب الجمهور.
ويُظهر هذا الواقع أن شعار “الوحدة” الذي ترفعه فتح بات أقرب إلى خطاب إعلامي منه إلى ممارسة فعلية، في ظل تناقض واضح بين التصريحات والسلوك التنظيمي على الأرض.
ويرى نشطاء أن الناخب الفلسطيني يواجه صورة مزدوجة: حركة تتحدث عن التماسك والوحدة، لكنها تقدم في الواقع قوائم متصارعة، ما يضعف مصداقيتها ويطرح تساؤلات حول قدرتها على إدارة الشأن العام إذا كانت عاجزة عن إدارة نفسها.
الولاءات الداخلية وشبكات النفوذ داخل فتح
تعكس هذه الصراعات داخل فتح تغلغل الاعتبارات الشخصية والمصلحية في عملية اختيار المرشحين، حيث تتحكم الولاءات الداخلية وشبكات النفوذ في تشكيل القوائم، على حساب الكفاءة أو القبول الشعبي.
كما تكشف هذه الحالة عن دور متزايد للأجهزة الأمنية في الحياة السياسية، حيث يظهر ضباط من هذه الأجهزة في موقع المنافسة الانتخابية، ما يعمّق التداخل بين الأمن والسياسة، ويثير مخاوف بشأن نزاهة العملية الانتخابية.
ويشير محللون إلى أن هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها تتفاقم مع كل استحقاق انتخابي، في ظل غياب آليات ديمقراطية داخلية واضحة لإدارة الخلافات أو اختيار المرشحين.
في هذا السياق، تتحول الانتخابات المحلية من فرصة لتعزيز المشاركة السياسية إلى ساحة تعكس أزمة النظام السياسي الفلسطيني، حيث تتكرر مظاهر الانقسام والتنافس الداخلي بدل تقديم نموذج حكم محلي مستقر.
وينبه المحللون إلى أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى عزوف الناخبين عن المشاركة، في ظل تراجع الثقة بالقوائم المطروحة، وغياب الفارق الحقيقي بين البرامج الانتخابية.
كما أن تعدد القوائم داخل الحركة الواحدة قد يساهم في تشتيت الأصوات، ما يفتح المجال أمام قوى أخرى للاستفادة من حالة التشتت، ويضعف الحضور السياسي لفتح في المجالس البلدية.
وتعكس هذه التطورات أزمة أعمق تتعلق بطبيعة القيادة داخل الحركة، التي تبدو عاجزة عن فرض الانضباط التنظيمي أو احتواء الخلافات، ما يحول كل استحقاق انتخابي إلى اختبار جديد لمدى تماسكها.
وفي المحصلة فإن الانتخابات البلدية تفضح خللاً بنيوياً داخل حركة فتح، حيث يتناقض الخطاب مع الممارسة، وتتحول “الوحدة” إلى شعار بلا مضمون، في وقت يحتاج فيه المشهد الفلسطيني إلى قوى قادرة على تقديم نموذج سياسي أكثر تماسكًا ووضوحًا.





