تحليلات واراء

بين “سد الذرائع” وتوسع الإدارة المدنية: السلطة تُهمش ويُعاد تعريف دورها في الضفة

في الوقت الذي تتمسك فيه السلطة الفلسطينية بسياسة “سد الذرائع” في الضفة الغربية، بذريعة تجنب التصعيد والحفاظ على ما تبقى من الاستقرار، يواصل الاحتلال الإسرائيلي توسيع صلاحيات الإدارة المدنية الإسرائيلية، في خطوة تحمل دلالات سياسية عميقة تتجاوز البعد الإداري.

فالإعلانات الإسرائيلية الأخيرة عن توسيع عمل الإدارة المدنية، وما رافقها من إصدار أوامر إخلاء وهدم منازل، وإدخال معدات هندسية ثقيلة، ومصادرة مساحات واسعة من الأراضي، تكشف أن “ضبط النفس” الفلسطيني لم يعد يوفر أي حماية، بل يُستثمر إسرائيليًا لتكريس وقائع ميدانية جديدة.

ويرى الكاتب السياسي محمد عايش أن ما تتعرض له السلطة ليس مجرد ضغوط عابرة، بل “عملية تهميش ممنهجة” يجري خلالها تفريغها من مضمونها السياسي وتحويلها إلى أداة إدارية ولوجستية تعمل ضمن قيود اقتصادية وأمنية يفرضها الاحتلال.

ووفق هذا التحليل، فإن ما يجري اليوم في الضفة لا يمكن فهمه بمعزل عن مشروع أوسع لإعادة هندسة دور السلطة نفسها، بحيث تُنزع عنها وظيفة التمثيل السياسي، وتُستبدل بدور إداري محدود يهدف إلى إدارة السكان لا أكثر.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

يظهر التحول الحاصل بوضوح في التناقض الصارخ بين خطاب السلطة وسلوك الاحتلال.

فبينما تؤكد قيادة السلطة أنها تتحرك لتفادي إعطاء دولة الاحتلال ذرائع لتوسيع عدوانها، تمضي سلطات الاحتلال في العكس تمامًا بتعزيز وجود الإدارة المدنية في المناطق المصنفة “ج”، وتوسيع صلاحياتها لتشمل هدم منازل مأهولة، وإخلاء تجمعات سكانية كاملة، ومصادرة أراضٍ بذريعة “أغراض عسكرية” أو “تنظيمية”.

وعمليًا، باتت الإدارة المدنية تمارس دور حكومة موازية تتحكم بالأرض والموارد، فيما تُدفع السلطة إلى هامش ضيق يقتصر على الشؤون الخدمية والأمنية.

ويرى عايش أن هذا التحول الوظيفي للسلطة يندرج ضمن سياق إقليمي أوسع يهدف إلى تحييد القضية الفلسطينية سياسيًا.

فبدل أن تكون السلطة أداة نضال وقيادة لمشروع وطني تحرري، يجري دفعها لتكون “إدارة سكان” تعمل على ضمان الهدوء ومنع الانفجار، بما يخدم استقرار منظومة الاحتلال. والنتيجة المباشرة لهذا المسار هي تعطيل أي أفق حقيقي لإقامة دولة فلسطينية، وتحويل فكرة الدولة إلى إطار نظري منزوع السيادة.

التنسيق الأمني المقدس

الأخطر من ذلك، بحسب عايش، أن استمرار السلطة في هذا الدور يعمق حالة العجز البنيوي، ويفتح الباب أمام فرض تسويات إقليمية غير متوازنة.

ففي ظل هذا الواقع، يمكن دمج السلطة في ترتيبات تطبيع إقليمي، تُمنح فيها دورًا إداريًا واقتصاديًا مقابل إقصائها سياسيًا، ومنعها من ممارسة دورها الطبيعي ككيان يمثل تطلعات الشعب الفلسطيني.

ومع الوقت، يتحول “سد الذرائع” إلى سياسة دائمة تبرر الجمود، فيما تتآكل الأرض والحقوق على الأرض.

ويمثل توسيع عمل الإدارة المدنية  رسالة سياسية واضحة بأن الاحتلال لم يعد يرى في السلطة شريكًا سياسيًا حتى بالحد الأدنى، بل مجرد وسيط أمني وخدمي.

وهذا ما يفسر الجرأة المتزايدة في إصدار أوامر الهدم والإخلاء، وإدخال المعدات الهندسية الثقيلة إلى مناطق يفترض – نظريًا – أنها خاضعة لترتيبات مرحلية بانتظار الحل النهائي. فإسرائيل تتصرف وكأن هذا “الحل النهائي” قد حُسم من طرف واحد، بينما تُترك السلطة لإدارة تبعات القرار.

ويشكل إفراغ السلطة من بعدها السياسي من زاوية المشروع الوطني، أحد أخطر التحديات الراهنة كونه لا يهدد فقط وحدة التمثيل الفلسطيني، بل يخلق فجوة متزايدة بين السلطة والمجتمع، ويضعف ثقة الفلسطينيين بأي مسار سياسي تقوده.

كما أن هذا المسار يغيب أدوات المواجهة السياسية والدبلوماسية، ويحول الصراع إلى مسألة أمنية – إدارية بحتة، تتحكم بها موازين القوة لا مبادئ القانون الدولي.

وعليه يقدم واقع الضفة الغربية اليوم مثالًا صارخًا على فشل معادلة “سد الذرائع”، فالاحتلال لا يحتاج إلى ذرائع ليصادر الأرض ويهدم المنازل، بل يستغل الفراغ السياسي والعجز الرسمي لفرض وقائعه.

وإذا استمرت السلطة في التمسك بدور إداري محدود، مقابل توسع الإدارة المدنية الإسرائيلية، فإن النتيجة لن تكون سوى مزيد من التهميش، ومزيد من التآكل في المشروع الوطني الفلسطيني، في لحظة تاريخية تتطلب العكس تمامًا: استعادة الدور السياسي، لا التخلي عنه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى