تحليلات واراء

عقب فضيحة نظمي مهنا: لماذا لا تطال التحقيقات كبار الفاسدين وأنجالهم؟

أعادت قضية مدير المعابر السابق نظمي مهنا فتح ملف الفساد المزمن داخل السلطة الفلسطينية، وتساؤلات لماذا لم تُفتح هذه الملفات منذ سنوات؟ ولماذا لا تزال التحقيقات – إن فُتحت – تقف عند حدود الأسماء التنفيذية، بينما يبقى “الكبار” وأنجالهم خارج دائرة المساءلة؟.

واعتبر المحلل السياسي إبراهيم أبراش أن بقاء مسؤولين في مواقعهم قرابة عشرين عامًا، رغم شبهات الفساد التي لاحقتهم، يعكس خللًا بنيويًا ووظيفيًا عميقًا في بنية السلطة نفسها، لا مجرد تقصير إداري أو ثغرة قانونية.

وشدد أبراش، وهو أحد كوادر حركة فتح التي تهيمن على مفاصل السلطة، على أن قضية نظمي مهنا لا يمكن فصلها عن منظومة كاملة من الحماية السياسية والإدارية، سمحت لمسؤولين نافذين بالاستمرار في مواقعهم، والاستفادة من نفوذهم، دون أي رقابة حقيقية أو محاسبة جدية وذلك كون الفساد لا يبدأ عند الموظف التنفيذي، بل عند من عيّنه، وحماه، ووفّر له الغطاء السياسي والأمني.

واللافت في هذا السياق أن السلطة التي تتحدث باستمرار عن “الإصلاح” و”سيادة القانون”، التزمت الصمت لسنوات طويلة إزاء ملفات فساد باتت معروفة للرأي العام، وتداولها الشارع الفلسطيني والإعلام المحلي دون أن تحرّك ساكنًا.

وحين تنفجر فضيحة ما، يجري التعامل معها بوصفها حالة فردية، أو “خطأ شخصي”، لا كنتاج طبيعي لنظام قائم على المحسوبية وتبادل المصالح.

فضيحة نظمي مهنا

يضع أبراش إصبعه على جوهر المشكلة: آلية التعيين في الوظائف العليا داخل مؤسسات السلطة. فهذه الآلية لا تقوم في الغالب على معايير الكفاءة أو النزاهة أو السجل الوطني، بل على الولاء الشخصي، والقرابة، والانتماء لمراكز القوى.

وبهذا المعنى، يصبح المنصب مكافأة سياسية، لا مسؤولية عامة، وتتحول المؤسسة إلى شبكة مصالح مغلقة.

وقد أدى هذا النهج، وفق أبراش، إلى إقصاء كفاءات وطنية حقيقية، حتى تلك التي تمتلك خبرة ومهنية والتزامًا وطنيًا واضحًا، لكنها لا تنتمي إلى “الدائرة المضمونة”.

والنتيجة سلطة مترهلة، عاجزة عن تجديد نفسها، وتعيد إنتاج الفساد جيلاً بعد جيل، بما في ذلك توريث النفوذ للأبناء والأقارب.

الأخطر من ذلك أن استمرار هذا النمط لا يضر فقط بمفهوم النزاهة، بل يقوّض الثقة العامة بالسلطة ذاتها. فحين يرى المواطن أن التحقيقات لا تطال إلا “الواجهة”، وأن الأسماء الثقيلة تبقى بمنأى عن المساءلة، تتكرس قناعة بأن الفساد ليس انحرافًا، بل جزء من طريقة الحكم.

وهنا يستحضر أبراش المثل الشعبي القاسي: “قرد موالف ولا غزال مخالف”، في إشارة إلى تفضيل الولاء على الكفاءة، حتى لو كان الثمن تدمير المؤسسات.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

قضية نظمي مهنا، هي امتحان حقيقي لإرادة السلطة السياسية، فهل ستتجرأ على فتح ملفات من هم أعلى رتبة ونفوذًا؟ وهل ستطال المساءلة من استفادوا من الفساد أو وفروا له الحماية؟ أم أن ما يجري ليس أكثر من محاولة لامتصاص الغضب الشعبي عبر التضحية بأسماء باتت عبئًا؟

في ظل الأزمة السياسية العميقة التي تعيشها السلطة، ومع تآكل شرعيتها الشعبية، يبدو أن الاستمرار في سياسة “الانتقائية” في مكافحة الفساد يحمل مخاطر جسيمة. فغياب المحاسبة الشاملة لا يحمي النظام، بل يسرّع تآكله، ويعمّق الفجوة بين السلطة والمجتمع.

وعليه فإنه لا معنى لأي حديث عن الإصلاح إذا لم يبدأ من القمة، وإذا لم تُكسر حلقة الحماية المتبادلة بين المسؤولين الكبار. فمحاسبة الصغار وترك الكبار، ليست عدالة، بل إعادة إنتاج للفساد نفسه، بوجوه جديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى