منصات السلطة تروج للرواية الإسرائيلية ضد الدكتور حسام أبو صفية

تحول اعتقال الطبيب حسام أبو صفية من جريمة واضحة بحق القطاع الصحي إلى ملف ملتبس في ظل التحريض الإسرائيلي المستمر ضده، وأداء منصات إعلامية محسوبة على السلطة الفلسطينية أعادت نشر أخبار وصياغات متماهية مع رواية الاحتلال من دون تفنيد أو مساءلة أو تقديم سرد فلسطيني مضاد.
وكان أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان في شمال غزة، اعتقل خلال اقتحام المستشفى في أواخر عام 2024، في وقت كان فيه القطاع الصحي ينهار تحت القصف والحصار.
وبدل أن يكون اعتقال أبو صفية عنوانا لحملة فلسطينية رسمية ودولية تفضح استهداف الطواقم الطبية المحمية بموجب القانون الدولي، جرى التعاطي معه إعلاميًا بوصفه “قضية خلافية” أو “محل ادعاءات”، وفق ما تروّجه دولة الاحتلال.
واللافت أن منصات قريبة من السلطة أعادت نشر تقارير أو أخبار منقولة عن إعلام غربي أو عبري، تتحدث عن “شبهات” حول علاقة الطبيب بحركة حماس، أو تشير إلى صور قديمة غير موثقة، دون الإشارة إلى سياقها، أو نفيها، أو حتى التنويه بأنها جزء من حملة دعائية إسرائيلية تهدف إلى نزع الصفة الإنسانية عن المعتقل وذلك في سلوك إعلامي شكّل عمليًا خدمة مجانية للرواية الإسرائيلية.
من هو الطبيب حسام أبو صفية ؟
حاولت دولة الاحتلال منذ اللحظة الأولى إعادة تعريف أبو صفية من طبيب أطفال ومدير مستشفى إلى “شخص ذي خلفية أمنية” وذلك في تقنية استخدمتها سابقًا مع صحفيين، مسعفين، وأطباء، لتبرير اعتقالهم أو قتلهم.
والجديد والخطير هنا أن بعض المنصات الفلسطينية لم تتعامل مع هذه الرواية باعتبارها دعاية حرب، بل أعادت إنتاجها بلغة محايدة أو ملتبسة، وكأنها احتمال قائم، لا اتهام سياسي يحتاج إلى تفنيد صارم.
كما أن غياب بيان رسمي واضح وحاسم من الجهات المختصة في السلطة، ولا سيما وزارة الصحة أو الدوائر الإعلامية المركزية، ترك فراغًا استثمره الإعلام الإسرائيلي والغربي المتماهِي معه.
فبدل أن تصدر رواية فلسطينية موثقة تؤكد مهنية أبو صفية وسيرته الطبية، وتضع اعتقاله في سياق استهداف المنظومة الصحية في غزة، تُركت الساحة للرواية الأقوى انتشارًا: رواية الاحتلال.
أزمة خطاب السلطة الإعلامي
يعكس هذا الأداء أزمة أعمق في خطاب السلطة الإعلامي، فبدل الانحياز الصريح للضحايا الفلسطينيين، يجري التعامل مع القضايا الحساسة بعقلية “خفض التوتر” و”تجنب الإحراج الدولي”، حتى لو كان الثمن تشويه صورة طبيب معتقل، أو إضعاف حملة دولية للمطالبة بالإفراج عنه.
في هذا السياق، يصبح “الحياد” المزعوم شكلًا من أشكال الانحياز غير المعلن.
والأخطر أن هذا النهج ينسجم مع مسار أوسع تتبناه السلطة منذ سنوات، يقوم على تجنب الصدام السياسي والإعلامي مع إسرائيل في الملفات الكبرى، والاكتفاء بلغة تقنية أو إنسانية عامة.
لكن في حالات مثل حالة أبو صفية، لا يكون الصمت أو التردد خيارًا محايدًا، بل يتحول إلى مشاركة غير مباشرة في إعادة إنتاج الاتهام.
وحقوقيًا، لا يحتاج أبو صفية إلى “إثبات براءته”، فهو طبيب مدني، اعتُقل أثناء أداء واجبه الإنساني، وعلى إسرائيل – كقوة احتلال – واجب إثبات أي ادعاء وفق معايير قانونية شفافة. لكن حين تتبنى منصات فلسطينية لغة “الادعاءات المتبادلة”، فإنها تقلب المعادلة، وتضع الضحية في موقع المتهم.
بموازاة ذلك يوجّه هذا السلوك رسالة سلبية للرأي العام الفلسطيني والدولي على حد سواء مفادها أن السلطة غير مستعدة لخوض معركة الرواية حتى في القضايا التي تجمع عليها المنظمات الحقوقية الدولية وهو ما يضعف أي جهد فلسطيني لمواجهة حرب السرد التي تشنها دولة الاحتلال بالتوازي مع حربها العسكرية.





