تحليلات واراء

تحت ضغط التمويل الأوروبي: كيف تعيد السلطة هندسة المنهاج وتفرغ الذاكرة الوطنية؟

تتواصل في الضفة الغربية موجة الجدل والغضب إزاء ما تصفه أوساط تربوية ووطنية بـ”التغييرات الجذرية” التي أدخلتها السلطة الفلسطينية على المنهاج التعليمي، استجابةً لشروط وضغوط سياسية ومالية قادها الاتحاد الأوروبي وأطراف دولية أخرى.

فقد طالت التغييرات جوهر السردية الفلسطينية نفسها، وصولًا إلى حذف مجازر موثّقة مثل دير ياسين، وإقصاء مفاهيم النكبة واللاجئين والمقاومة من الكتب المدرسية.

وبحسب ما تسرّب من وثائق ومحاور تحديث، فإن المنهاج الجديد يُعاد تشكيله على نحو يعيد تعريف التاريخ والدين والسياسة من زاوية منسجمة مع الرؤية الإسرائيلية–الغربية للصراع، لا مع الذاكرة الفلسطينية.

فالمطالب لا تتوقف عند “التحريض” كما يروّج لها رسميًا، بل تمتد إلى إعادة كتابة التاريخ، وتفكيك المفاهيم الوطنية، وتحويل التعليم إلى أداة تطبيع ذهني مبكر.

المناهج التعليمية الفلسطينية ويكيبيديا

من أبرز ما يثير القلق هو إدراج بنود تُلزم المناهج بـ”الاعتراف بالمكانة التاريخية والدور الحضاري لليهود في العالم العربي”، وإبراز دورهم في بناء النظام الإسلامي سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، مقابل حذف أو تهميش كامل لأي مواد تتناول فلسطين التاريخية قبل عام 1948: الأرض، السكان، المدن، القرى، التراث، الخرائط، والعمران.

وفي المقابل، يُطلب الإشارة إلى ما يُسمّى “حق بني إسرائيل بأرض الميعاد” و”وعد الرب”، مع تبنّي مقولة “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، في تجاهل فجّ لوجود شعب فلسطيني عاش على هذه الأرض قرونًا.

والأمر لا يقف عند حدود التاريخ، بل يتسلل إلى النص الديني ذاته. إذ تشمل التعديلات المقترحة حذف آيات قرآنية وأحاديث نبوية تنتقد السلوك اليهودي في سياقات تاريخية معروفة، وتجاهل غزوات الرسول ﷺ ضد بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، في محاولة لإعادة صياغة السرد الديني بما يتلاءم مع خطاب “الديانات الإبراهيمية” بصيغته السياسية المعاصرة، لا مع النصوص الأصلية.

حذف كل مفاهيم المقاومة

سياسيًا، تطالب التحديثات بحذف كل ما يتصل بالمقاومة: الجهاد، الاستشهاد، الانتفاضة، الثورة، الأسرى، وكالة الغوث، وحتى مصطلح “الوطنية”.

كما يتم شطب مواد تتناول الحروب العربية–الإسرائيلية (1948، 1956، 1967، 1982) والثورات والانتفاضات الفلسطينية (1929، 1936، 1987، 2000)، وكأن التاريخ الفلسطيني يبدأ وينتهي عند “الحكم الذاتي” واتفاقات أوسلو، التي يُطلب الإشادة بـ”نتائجها الاقتصادية” دون أي تقييم سياسي أو نقدي.

القدس المحتلة بدورها، تخضع لإعادة توصيف خطيرة؛ إذ يُشار إليها باسم “أورشليم” كعاصمة إسرائيل التاريخية والأبدية، مع تقديم معلومات عن “الهيكل المقدس”، والتأكيد على “حق الصلاة” لليهود في المسجد الأقصى، في قطيعة تامة مع الموقف الفلسطيني والعربي والإسلامي.

أما على مستوى “الدروس التطبيقية”، فتبدو المناهج أقرب إلى كتيّبات تطبيع ثقافي: قصص عن “ديفيد وسارة من مستوطنة يتسهار” وعلاقتهما الودية مع فلسطينيين من حوارة، نصوص عن مقاولين فلسطينيين يعملون في بناء المستوطنات، دروس عن “تأثير المطبخ اليهودي على الفلسطيني”، وأفلام مدرسية عن الهولوكوست بعنوان “الضحايا الأبرياء”، في مقابل تغييب تام لمعاناة الفلسطينيين المستمرة تحت الاحتلال.

كما تُحذف نماذج وشخصيات فلسطينية مؤسسة للوعي الوطني، مثل عز الدين القسام، عبد الرحيم الحاج محمد، خليل الوزير، صلاح خلف، ياسر عرفات، دلال المغربي، وعمر القاسم، في محاولة واضحة لقطع الصلة بين الأجيال الجديدة وتاريخها النضالي.

بالتالي فإن هذه التغييرات باتت جزءًا من مسار أوسع لتطويع الوعي الفلسطيني، وتحويل المدرسة إلى أداة ضبط سياسي ناعم. ومع تمسّك السلطة بهذه التعديلات تحت ذريعة الحفاظ على الدعم المالي الدولي، يزداد الشعور بأن التعليم – آخر خطوط الدفاع عن الهوية – بات هو الآخر رهينة لشروط الخارج، على حساب الذاكرة، والحق، والمعنى الوطني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى