تحليلات واراء

فرض التطبيع بالعصا.. إهانات أمريكية علنية للأنظمة العربية الرسمية

كشفت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والضغوط التي تمارسها إدارته خلال مفاوضات وقف الحرب على إيران، عن حجم الإذلال السياسي الذي تتعرض له الأنظمة العربية الرسمية، بعدما تحولت اتفاقيات التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي إلى شرط أمريكي معلن مقابل إنهاء الحرب وحماية العواصم الخليجية من التصعيد العسكري الإيراني.

وأكد مسؤولون أمريكيون وعرب حاليون وسابقون أن إدخال ترامب ملف “اتفاقيات أبراهام” في صلب المحادثات مع إيران يعكس محاولة أمريكية لصرف الأنظار عن فشل الحرب في تحقيق أهدافها الأساسية، وفي مقدمتها كسر إيران أو تدمير قدراتها العسكرية.

وقال آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأمريكي السابق في شؤون الشرق الأوسط، إن ترامب يدرك أنه يتجه نحو صفقة “تقوض كل هدف حربي تبناه بعد 28 فبراير”، ولذلك يحاول تعويض هذا الفشل عبر “صفقة أكبر” مرتبطة بتوسيع التطبيع العربي مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

وأضاف ميلر، الذي يعمل حالياً زميلاً بارزاً في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، أن ما يفعله ترامب “حيلة نموذجية” تهدف إلى تسويق أي اتفاق مع إيران باعتباره إنجازاً استراتيجياً عبر جرّ دول عربية جديدة إلى التحالف الإسرائيلي الأمريكي.

التطبيع ضمن شروط وقف الحرب على إيران

يقتصر الاتفاق الجاري بحثه مع إيران على تمديد وقف إطلاق النار الهش لمدة ستين يوماً، مقابل تخفيف بعض العقوبات وفتح مضيق هرمز، من دون معالجة ملف الصواريخ الباليستية الإيرانية التي استعادت نحو 70 بالمئة من قوتها السابقة للحرب، وفق ما نقلته صحيفة نيويورك تايمز.

كما أظهر ترامب تناقضاً واضحاً في تبريراته للحرب، إذ تحدث أحياناً عن منع إيران من امتلاك سلاح نووي، ثم عاد للحديث عن تدمير قدراتها العسكرية، قبل أن يلمح لاحقاً إلى أن تغيير النظام الإيراني كان الهدف النهائي للحرب.

وفي الوقت الذي كانت فيه مدن الخليج تتعرض للقصف والصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، ظهر ترامب وهو يتعامل مع الأنظمة الخليجية باعتبارها مدينة له شخصياً بإنهاء الحرب، لا باعتبارها دولاً دفعت ثمن الانخراط في المعركة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.

وقال مسؤول أمريكي رفيع سابق للموقع إن ترامب يتصرف انطلاقاً من “انطباع خاطئ” بأن الدول الخليجية التي زجّ بها في الحرب باتت مطالبة برد الجميل عبر التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.

وأضاف المسؤول أن أخطر ما في سلوك ترامب هو “أنه يعتقد فعلاً أن هذه الدول مدينة له إذا أنهى الحرب”، رغم أن الحرب نفسها أدت إلى قصف منشآت ومدن وبنية تحتية حيوية في الخليج.

وقد دعا ترامب السعودية وقطر وباكستان ودولاً أخرى لا تقيم علاقات مع الاحتلال إلى توقيع اتفاقيات أبراهام، مباشرة بعد اتصالات أجراها مع قادة تلك الدول، ثم مع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو.

ورغم أن الإمارات والسعودية وقطر ضغطت سابقاً على واشنطن لتجنب الحرب مع إيران، فإنها اضطرت لاحقاً لمنح الولايات المتحدة تسهيلات عسكرية واسعة واستخدام قواعدها الجوية خلال الحرب، فيما شاركت الإمارات والسعودية في الضربات الجوية ضد إيران بحسب ما نقلته وكالة رويترز.

لكن التقرير أشار إلى تصاعد الإحباط الخليجي من السياسة الأمريكية، خاصة مع تعامل ترامب الفوقي والاستعلائي مع الأنظمة العربية، وتصوير نفسه باعتباره صاحب الفضل المطلق في “إنقاذ” المنطقة من الحرب.

وخلال الحرب، قال ترامب علناً إن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان “لم يكن يعتقد أن هذا سيحدث”، مضيفاً أن الأخير “عليه الآن أن يكون لطيفاً معه”، في تصريحات اعتبرها مراقبون إهانة مباشرة للقيادة السعودية وللنظام العربي الرسمي بأكمله.

فرض التطبيع “بالعصا لا بالجزرة”

يرى محللون أن ترامب لم يعد يطرح التطبيع باعتباره خياراً سياسياً أو تفاوضياً، بل كأمر إلزامي تفرضه واشنطن بالقوة العسكرية والعقوبات والابتزاز الأمني.

وفي هذا السياق، قال الصحفي المصري وائل قنديل إن المنطقة تعيش “لحظة سعي حثيث إلى الالتحاق بقطار السلام الأمريكي”، حيث يفرض ترامب التطبيع “بالعصا لا بالجزرة”.

وأضاف قنديل أن ترامب أعلن بصورة صريحة أن “جميع دول المنطقة يجب أن توقع على اتفاقيات أبراهام”، قبل أن يزيد الأمر وقاحة بقوله إن “السعودية وقطر يجب أن توقّعا، وإلا فلن تكونا جزءاً من الاتفاق مع إيران”.

واعتبر قنديل أن المنطقة انتقلت من مرحلة “الدعوة إلى التطبيع” إلى مرحلة “الأمر بالتطبيع والنهي عن المقاومة”، ليس بالكلام فقط، بل عبر “العصا والهراوة والردع العسكري والاقتصادي”.

وأضاف أن ترامب بات يتصرف باعتباره “بابا حروب الإبادة ورسول الحلف الأبراهامي وأسقف العقوبات”، فارضاً سلطته على المنطقة عبر مقاتلات F35 وقاذفات B52.

كما اعتبر أن أكبر إهانة للنظام العربي تكمن في أن رئيس الولايات المتحدة يأمر الدول العربية علناً بالانخراط في تحالف مع الاحتلال الإسرائيلي، “ولا يجرؤ أحد من المستهدفين بالأوامر على الرفض أو حتى التعليق”.

ويشار إلى أن الحرب على إيران عمّقت الانقسام الخليجي تجاه دولة الاحتلال، حيث واصلت الإمارات تعميق شراكتها الأمنية والعسكرية مع الاحتلال، بما في ذلك تشغيل بطاريات “القبة الحديدية” داخل أراضيها وإنشاء صندوق دفاعي مشترك مع تل أبيب لتطوير أنظمة تسليح جديدة.

في المقابل، ازدادت السعودية تشككاً تجاه دولة الاحتلال بعد الحرب، واتجهت إلى توسيع تعاونها الدفاعي مع تركيا وباكستان ومصر، في ظل تصاعد الخلافات الإقليمية مع أبوظبي.

ويرى مراقبون أن ما كشفته هذه التصريحات والتسريبات يؤكد أن واشنطن لا تتعامل مع الأنظمة العربية كشركاء، بل كأنظمة تابعة تُدار بالعقوبات والحروب والابتزاز الأمني، فيما يجري استخدام التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي كمعيار جديد للولاء السياسي في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى