تحليلات واراء

الحرب على إيران تكشف سقوط رهان الخليج على واشنطن وتل أبيب

كشفت تداعيات الحرب على إيران عن تحوّل استراتيجي عميق في توازنات المنطقة، حيث يتهاوى رهان دول الخليج على الحماية الأمريكية والتقاطع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، بعد أن تحولت هذه الشراكة إلى مصدر تهديد مباشر للأمن والاستقرار في المنطقة، بدل أن تكون مظلة حماية كما رُوّج لها لعقود.

فقد وجدت دول الخليج نفسها في قلب المواجهة، رغم أنها لم تكن طرفًا مباشرًا فيها، ما يعكس طبيعة العلاقة غير المتكافئة مع واشنطن، التي أعادت توظيف حلفائها كأدوات ضمن صراعها الجيوسياسي الأوسع.

وتُبرز الكاتبة المغربية عائشة البصري في تحليل لها، أن ما جرى لا يمكن فصله عن استراتيجية أمريكية قائمة على الهيمنة على سوق الطاقة، حيث تتحول التحالفات إلى وسائل لخدمة المصالح الأمريكية، حتى لو جاء ذلك على حساب أمن الحلفاء أنفسهم.

وتوضح البصري أن الحرب على إيران مثلت جزءً من مشروع أوسع لإعادة رسم خريطة الطاقة العالمية، من خلال السيطرة على الممرات الحيوية وتعطيل المنافسين، وهو ما انعكس مباشرة على دول الخليج التي تعتمد اقتصاداتها على استقرار هذا القطاع.

وتؤكد أن واشنطن، كما فعلت سابقًا مع حلفائها، لم تتردد في تجاهل التحذيرات الخليجية من مخاطر الحرب، بل مضت في دعم التصعيد الذي تقوده تل أبيب، رغم إدراكها أن الرد الإيراني سيطال البنية التحتية للطاقة في المنطقة.

خسائر الخليج من الحرب على إيران

عكست الضربات التي طالت منشآت الطاقة وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز حجم المخاطر التي تواجهها دول الخليج، والتي دفعت ثمن سياسات لم تكن شريكًا حقيقيًا في صياغتها، بل مجرد متلقٍ لنتائجها.

وتشير تقديرات أولية إلى خسائر اقتصادية ضخمة لدول الخليج نتيجة هذه الحرب، ما يعزز فرضية أن التحالف مع واشنطن لم يوفر الحماية الموعودة، بل جرّ المنطقة إلى دائرة الخطر المباشر.

في هذا السياق، يبرز بوضوح أن الأولوية الأمريكية لم تكن حماية الحلفاء، بل ضمان مصالحها ومصالح دولة الاحتلال الإسرائيلي، حتى لو أدى ذلك إلى زعزعة استقرار منطقة بأكملها.

ويتقاطع هذا التحليل مع ما أكدته المقاومة الفلسطينية مرارًا، من أن الرهان على واشنطن وتل أبيب هو رهان خاسر، وأن الاعتماد على هذه التحالفات لن يؤدي إلا إلى مزيد من التبعية والتهديدات.

انهيار مسار التطبيع العربي

تظهر الوقائع أن الدول التي انخرطت في مسار التطبيع أو التقارب مع دولة الاحتلال لم تحصد مكاسب أمنية، بل وجدت نفسها أكثر عرضة للضغوط والابتزاز السياسي والاقتصادي، وهو ما يبرز جليا في حالة الإمارات العربية المتحدة.

وتعكس هذه التطورات فشل الرهان على ما سُمّي بمحور “الاعتدال”، الذي سعى إلى إعادة تعريف الصراع في المنطقة، عبر تحويله من صراع مع الاحتلال إلى صراع مع قوى إقليمية أخرى.

وتوضح البصري أن استخدام الطاقة كسلاح سياسي واقتصادي بات أداة رئيسية في الاستراتيجية الأمريكية، حيث يتم توظيف الأسواق والإمدادات لتحقيق أهداف جيوسياسية، حتى على حساب استقرار الحلفاء.

وتؤكد أن هذا النهج يعيد إنتاج مقولة أن “الصداقة” مع واشنطن قد تكون أكثر كلفة من العداء، في ظل استعدادها للتضحية بحلفائها عندما تتعارض مصالحهم مع أولوياتها الاستراتيجية.

في المقابل، تكشف الحرب على إيران أن دولة الاحتلال كانت المستفيد الأكبر من هذا المسار، حيث جرى توظيف التحالفات الإقليمية لخدمة مشروعها، بينما تحملت دول الخليج تداعيات التصعيد.

وبحسب مراقبين فإن هذه التجربة قد تدفع بعض دول الخليج إلى إعادة تقييم سياساتها، خاصة في ما يتعلق بالاعتماد على الحماية الخارجية، والانخراط في تحالفات غير متوازنة.

ويرى مراقبون أن ما جرى يعزز الدعوات إلى بناء مقاربة إقليمية قائمة على التعاون العربي والإسلامي، بدل الارتهان لتحالفات خارجية أثبتت محدوديتها في وقت يؤكد هذا التحول أن مستقبل الأمن في المنطقة لن يُبنى عبر الاصطفاف مع القوى الكبرى، بل عبر إعادة صياغة العلاقات الإقليمية على أساس المصالح المشتركة.

وتُظهر الحرب على إيران أن التوازنات القديمة لم تعد صالحة، وأن الاستمرار في الرهان على واشنطن وتل أبيب قد يقود إلى مزيد من الأزمات، بدل تحقيق الاستقرار.

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة النظر في المسار السياسي لدول الخليج، بعيدًا عن سياسات التطبيع والانخراط في صراعات تخدم أطرافًا خارجية.

كما تعكس هذه اللحظة اختبارًا حقيقيًا لخيارات المنطقة، بين الاستمرار في مسار أثبت فشله، أو التوجه نحو بناء منظومة إقليمية أكثر استقلالية وتوازنًا، قادرة على حماية مصالح شعوبها بعيدًا عن حسابات الهيمنة الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى