تحليلات واراء

الاحتلال يجدد “شريان الحياة” للسلطة مقابل استمرار الارتهان للقرار الإسرائيلي

تمدد التبعية المصرفية

كشفت مصادر في وزارة المالية برام الله عن تلقي السلطة الفلسطينية إخطارًا رسميًا من الاحتلال الإسرائيلي بتمديد العلاقة المصرفية مع البنوك الفلسطينية لمدة شهرين إضافيين، في خطوة تعكس استمرار الارتهان الاقتصادي والسياسي للقرار الإسرائيلي.

ويضمن القرار بقاء قنوات التعاون المصرفي مفتوحة حتى 31 أيار/مايو المقبل، مع قابلية التمديد وفق تقديرات الاحتلال ومصالحه، وليس وفق احتياجات الاقتصاد الفلسطيني.

وقالت مصادر مطلعة إن التمديد الإسرائيلي لا يأتي في إطار تسهيلات اقتصادية أو دعم مالي كما تحاول السلطة تسويقه، بل ضمن منظومة تحكم وسيطرة يفرضها الاحتلال على مفاصل الاقتصاد الفلسطيني، بحيث تبقى البنوك الفلسطينية رهينة نظام المقاصة والتنسيق المالي الذي يدار بالكامل عبر المؤسسات الإسرائيلية.

وتُظهر هذه الخطوة أن أي حديث رسمي عن “استقلال اقتصادي” لا يتجاوز كونه خطابًا إعلاميًا، في ظل استمرار خضوع النظام المالي الفلسطيني لإرادة الاحتلال.

وتعكس الخطوة كذلك حرص الاحتلال على إبقاء السلطة الفلسطينية قائمة بوظيفتها الحالية، لا ككيان سياسي مستقل، بل كأداة لضبط الوضع الأمني في الضفة الغربية.

وتشير التقديرات إلى أن قرار التمديد يرتبط مباشرة بالحاجة الإسرائيلية للحفاظ على “الهدوء الأمني” في الضفة، خاصة في ظل انشغال الاحتلال بجبهات أخرى، بما في ذلك التوترات مع إيران وحزب الله.

وفي هذا السياق، تتحول العلاقة المصرفية إلى أداة ابتزاز سياسي، يتم استخدامها لضمان استمرار التنسيق الأمني ومنع تصاعد أعمال المقاومة.

التنسيق الأمني المقدس

تؤكد مصادر مطلعة أن الاحتلال ينظر إلى السلطة باعتبارها خط دفاع أول عن مستوطناته في الضفة الغربية، حيث تتكامل الأدوار بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية والجيش الإسرائيلي في ملاحقة أي نشاط مقاوم.

وفي ظل هذه المعادلة، يصبح استمرار تدفق الأموال عبر القنوات المصرفية المشروطة جزءًا من منظومة السيطرة، وليس دعمًا للاقتصاد الفلسطيني كما يُروّج.

وكان وزير مالية الاحتلال، بتسلئيل سموتريتش، قد قرر قبل أشهر تمديد التعاون المصرفي بين الجانبين، بعد موافقة مجلس الوزراء الإسرائيلي، في خطوة أثارت آنذاك تساؤلات واسعة حول طبيعة العلاقة بين السلطة والاحتلال، خاصة في ظل التصعيد الإسرائيلي المتواصل ضد الفلسطينيين.

ويُعرف سموتريتش بمواقفه المتطرفة، ما يعزز فرضية أن قراراته الاقتصادية تجاه السلطة تأتي في إطار رؤية أمنية وسياسية، لا اقتصادية بحتة.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

لم تنجح السلطة الفلسطينية على مدار سنوات في بناء بدائل حقيقية تقلل من اعتمادها على النظام المالي الإسرائيلي، رغم التحذيرات المتكررة من خطورة هذا الارتهان. بل على العكس، تعمقت هذه التبعية، وأصبحت أحد أبرز أدوات الضغط التي يستخدمها الاحتلال لفرض شروطه.

ويُطرح في هذا السياق تساؤل جوهري حول جدوى استمرار هذه المنظومة التي تُبقي الاقتصاد الفلسطيني مكبلاً وتحت رحمة القرارات الإسرائيلية.

وفي المقابل، يواجه الشارع الفلسطيني هذه التطورات بحالة من الغضب المتصاعد، في ظل إدراك متزايد بأن السلطة تواصل التمسك بخيارات أثبتت فشلها، وتُبقي على التنسيق مع الاحتلال رغم الكلفة السياسية والوطنية.

وتبرز الانتقادات بشكل خاص تجاه استمرار التعاون الأمني والاقتصادي، الذي يُنظر إليه كعامل رئيسي في إضعاف حالة المقاومة وتقييد أي حراك شعبي في الضفة الغربية.

وبالمحصلة يعكس قرار تمديد العلاقة المصرفية طبيعة العلاقة القائمة بين السلطة والاحتلال، حيث تتداخل المصالح الأمنية مع الأدوات الاقتصادية، في إطار منظومة واحدة تهدف إلى ضبط الواقع الفلسطيني بما يخدم أولويات الاحتلال.

وفي ظل غياب أي استراتيجية فلسطينية للتحرر من هذه القيود، تبدو السلطة مستمرة في الدور ذاته، كحلقة وسيطة تضمن استقرار المعادلة التي يفرضها الاحتلال.

وتشير التطورات إلى أن الأشهر المقبلة قد تشهد تمديدات إضافية، في ظل استمرار الظروف ذاتها، ما يعني بقاء الاقتصاد الفلسطيني تحت السيطرة المباشرة للاحتلال، واستمرار استخدام الأدوات المالية كوسيلة ضغط.

وفي ظل هذا الواقع، تتعزز المخاوف من أن تتحول هذه العلاقة إلى حالة دائمة، تُكرس التبعية وتُضعف أي إمكانية لبناء اقتصاد وطني مستقل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى