محمود عباس في إيطاليا

بقلم عدلي صادق
في تغطية زيارة رئيس السلطة إلى ايطاليا، استخدم الإعلام العباسي، تعبيرات مفخمة، في محاولة يائسة للتعمية على واقع السلطة المزري. وكالعادة ظل أقلها القول، إن سيادته قد اجتمع مع “نظيره” الإيطالي، ذلك علماً بأن عبس “المحنك” ليس له نظير على سطح كوكب الأرض.
لا يختلف اثنان، على القدرة الإعجازية لدى الرئيس الفلسطيني، على التظاهر بأنه يقابل الامتلاء السياسي في البلد الذي يزوره، بامتلاء سياسي وديبلوماسي ودستوري طافح لدينا، اي لدى سلطته، بأرقى أشكال الممارسة السياسية، بينما هو، في وضعه واهتماماته اليومية وحيثياته الراسخة، منذور عملياً للحفاظ على حال التشرذم المدمر، وإحلال المناكفات والتباغض محل الحياة السياسية للمجتمع، ومنع الحوار، وإدارة الظهر للوقائع الفلسطينية اليومية ولحال الناس في غزة ولغير ذلك من القضايا التي تشغل معظم دول العالم النافذة. فالرجل يسافر لكي يبيع الكلام، مع خلو وفاضه من أية ملفات، حتى أصبح من حق حماس عليه أن يشكرها، كونها أعطته بأوهامها وعنادها وتفردها، موضوعاً يساعده على الإيحاء بأنه ممتليء، ولديه أجندة عمل (السلطة ذات السلاح الشرعي الواحد وحماس التي لن تحكم كأنما هو الذي يقرر، وشروط الرباعية). إن هذه هي العناوين نفسها التي أفلت عباس في ظلها من أي مساءلة له أو لأولاده عن أي شيء، وهي العناوين التي جعلته يمارس الانحراف الإداري والمالي بكل التجرؤ والوقاحة، بعد أن أجهز على الفحوى الدستوري للسلطة، ووضع المنظمة في جيبه، وأقصى فتح وجعل عواجيزها يترحمون على ايام شبابهم ويطلبون راحة البال، واصطنع لنفسه شريحة من فاسدين ونصابين اختار من بينهم وريثاً هو الأكثر قدرة على الإفلات من العقوبة، والاستهتار بمبدأ المساءلة، سواء اغتنى بمال السُحت، أو علا شأنه ـ على الجانب الآخر ـ بشفاعة التنسيق، أو تحرّش مثنى وثلاث ورباع!
محمود عباس ينفض يده من الحيثيات الفلسطينية الكثيرة والمعقدة التي تنشغل بها الدول الوازنة ومن بينها إيطاليا. هو يبحث عن اللقطة. فمن خلال عرض صور الجلسة الرسمية مع الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا (ومنصبه فخري وبروتوكولي وليس له شأن في أي شان) يريد الإيحاء بأن النقاش يدور حول أمور عملية يستفيد منها الشعب الفلسطيني، وأن الاتفاق عليها جارٍ. وعند اللقاء مع رئيسة الحكومة ميلوني، يُقال إن البحث تناول مسار العلاقات الثنائية وتعزيز الروابط “في إطار يراعي خصوصية العلاقة الفلسطينية الإيطالية”!
اللافت أن الأوروبيين نصابون. يتظاهرون بأنهم يستوعبون عباس، ونادراً ما يتطوع طرف منهم بمصارحته باعوجاج أوضاعه وبؤس حال السلطة، ترهل سلطته وفسادها كان سبباً في صعود حماس أصلاً، أو يقول له أنت بلا بنية كيانية وليس لديك نظام سياسي، وينبغي أن تسارع الى تسوية وضعك، وأن هؤلاء الذين معك ليس لديهم أية صفة سوى أنهم من حاشيتك، ولا علاقة لهم بالتنوع الفلسطيني وعناوينه السياسية، وليس من بينهم حتى شخصية فصائلية مركزية، أو طيف اجتماعي ناشط، وليس من بينهم ـ في اجتماع الفاتيكان ـ رجال دين مسيحيين فلسطينيين، بمقدورك أن تكلف رمزي خوري بترشحهم للانضمام إلىوفد يزور إيطاليا والفاتيكان.
هو طلب حضور للالتحاق بالوفد، لصعوبة “تجاوز” الرجل، علماً بأن اختصاص الأخ رمزي يتعلق بمتابعة قضايا الكنائس بينما المطلوب حضور الصوت المسيحي، لا سيما الكاثوليكي في إهاب مطران، للمشاركة في التعبير عن مواقف الشعب الفلسطيني. فلم يكن هناك حتى أسقف من أي كنيسة!
أطراف عربية، إقليمة ودولية، لكن الرجل ظل يفعل العكس يومياً، وكأنه منذور لتكريس الفساد والانقسام، وعندما أراد تضليل من يطالبونه بالإصلاح، اختار كاتم أسراره المالية رئيساً للحكومة، في أسخف ممارسات الاستعباط . فالرجل لا يريد الاقتناع بأن الدول المهمة والموصوله بقضايا النزاع، كلها لها ممثليات عندنا وفي الممثليات هناك ضباط أمن ومختصون، وكل هؤلاء يكتبون تقاريرهم لسلطاتهم السياسية، وبالتالي فإن وضع عبس مشهود ومقروء ومعلوم، والطليان يعرفون بالطبع، أن سفيرة عبس في روما، هي إبنة سكرتيرته، وليست شخصية فلسطينية لها تجربتها السياسية ولها معرفتها بثقافة الطليان وتاريخهم السياسي على النحو الذي يليق بمكانة الدولة، ثم إن تعيين رئيس حكومة، لن يُغطي على العورات الظاهرة، ولا أي كلام مكذوب. وحتى عندما تقابل الدول رئيس حكومته، تفعل ذلك لكي لا ينقطع سياقها، أما موضوع الإصلاح نفسه فهو أمر آخر. فإن سُئل الرجل عن راتبه من سلطة عباس، ستكون الإجابه كافية للقول بأن الإصلاح لن يبدأ إلا من عنده.
من المفارقات الطريفة، أن أحد المكلفين بكتابة تغطية وتحليل لزيارة إيطاليا، أسهب في تخليق الخزعبلات والوعود، بل ذهب الى امتداح ذكاء وعبقرية عبس في اختيار وفده، فأنعم عليهم بأوصاف لم يزعموها لأنفسهم.





