أجهزة أمن السلطة.. غياب يتحدث بصوت أعلى من خطابها

أثار اختفاء عناصر أجهزة أمن السلطة الفلسطينية فجأة من شوارع محافظة طوباس شمالي الضفة الغربية خلال عملية عسكرية واسعة أطلقها الاحتلال الإسرائيلي موجة سخرية وغضب شعبي واسع.
فالمشهد الذي بدا للوهلة الأولى كحدث عابر، يكشف في الواقع عن مأزق عميق في الدور المعلن لهذه الأجهزة بأنها متاحة دائماً لقمع الفلسطينيين وملاحقة الناشطين، لكنها تختفي تمامًا عند أول اختبار حقيقي لواجبها الأساسي، وهو حماية المواطنين من الاحتلال.
والمفارقة هنا صادمة، بل واستفزازية بأن أجهزة الأمن التي كانت تعمل بجد في الأسابيع الماضية على ملاحقة الطلاب والأسرى المحررين والنشطاء السياسيين، تعمدت فجأة الاختفاء بمجرد تحرك الاحتلال.
فالحواجز الأمنية التي يفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن المدنيين اختفت، والمقرات الرسمية تحولت إلى مقرات افتراضية لم تعد تستقبل أحدًا، فيما أصبح دوام عناصر الأمن “إلكترونيًا” كما لو أن المواطنين صاروا بلا أي سند أمام آلة الاحتلال العسكرية.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
كشف هذا الغياب المفاجئ عن نقمة المجتمع الفلسطيني العميقة، التي تجلت في التعليقات الساخرة على وسائل التواصل الاجتماعي.
يقول الناشطون: “واضح أن أمن السلطة عنده حس استشعار عالي.. أول ما يشم رائحة دورية إسرائيلية بيفتح اللابتوب وبيسجل حضور عن بعد”.
وتلخص العبارة المذكورة إحساس الشعب بأن الأجهزة الأمنية أصبحت أداة ضد المواطنين، لا درعًا لهم، وأن غيابها عن الشارع يعني ترك الفلسطينيين عرضة للاحتلال دون حماية.
وبنفس النبرة، تساءل آخرون: “إذا كان الأمن مداوم من البيت، مين يحمي الناس؟ ولا بس الشعب اللي لازم يضل عالشارع؟”. هذا التساؤل يمثل نقدا لاذعا لسياسة الأجهزة الأمنية التي يبدو أن أولوياتها ليست حماية المواطنين، بل حماية نفسها من أي مواجهة مباشرة مع الاحتلال، أو على الأقل التظاهر بأن دورها محصور في الانصياع لتعليمات سياسية لا علاقة لها بالدفاع عن الشعب.
أمن السلطة الفلسطينية
أكدت مصادر وشهود على الأرض أن تعليمات عليا صدرت بالانسحاب والاختباء مؤقتًا، في مؤشر واضح على سياسة “سد الذرائع” أمام الاحتلال.
وتكشف هذه السياسة، التي يفهمها المتابعون على أنها محاولة لتجنب أي مواجهة أو محاسبة من قبل الاحتلال، الوجه الحقيقي لدور هذه الأجهزة: حماية نفسها أولاً، وتأجيل أي التزام تجاه المواطنين إلى ما بعد انتهاء الأخطار المباشرة، بغض النظر عن الثمن البشري لهذه السياسة.
ويطرح هذا السلوك أسئلة جوهرية حول طبيعة العلاقة بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية والمجتمع الذي يفترض أن تحميه. فبينما تتفرغ هذه الأجهزة لملاحقة الفلسطينيين، واعتقال النشطاء، والتضييق على كل من يسعى للمطالبة بحقوقه، تختفي فجأة عندما يكون المواطنون في أمس الحاجة إليها.
وبحسب مراقبين لا يمكن غض الطرف عن أن غياب أجهزة الأمن في مواجهة الاحتلال ليس حادثًا عرضيًا، بل جزء من سياسة ممنهجة توحي بأن حماية الشعب ليست أولوية، وأن الأجهزة الأمنية نفسها غير مستعدة لتحمل أي مسؤولية حقيقية تجاه المدنيين.
وهو ما يساهم في خلق فراغ أمني خطير، يترك المواطنين في مواجهة مباشرة مع الاحتلال، ويزيد من هشاشة الوضع الأمني في المناطق الفلسطينية المحتلة.
والمشهد في طوباس يعكس أزمة أعمق وأكثر انتشارًا في الضفة الغربية: أجهزة أمنية فقدت صلتها بالواقع الشعبي، وأصبحت أكثر اهتمامًا بتحقيق أهداف سياسية لحكامها، على حساب حماية الإنسان الفلسطيني.
ومع استمرار هذه السياسات، فإن المجتمع الفلسطيني سيكون مضطرًا لاعتماد نفسه والدفاع عن نفسه، بينما تتحول الأجهزة الأمنية إلى كيان رمزي، موجود على الورق، غائب عن الشارع، غائب عن حماية الناس، وغائب عن مسؤولياتها الأساسية.
وسيؤدي استمرار الوضع الحالي إلى مزيد من الاحتقان الشعبي، وتزايد السخرية والغضب من الأجهزة الأمنية، ويزيد من شعور الفلسطينيين بأنهم بلا حماية، في ظل واقع مؤلم يعكس فشل الأجهزة الأمنية في الوفاء بمسؤولياتها الأساسية تجاه شعبها.





