فتح في ذكرى انطلاقتها: حركة تحرر تحولت إلى إدارة أزمة بلا مشروع وطني

في الذكرى السنوية 61 لانطلاقتها، تواجه حركة فتح أزمة وجودية مكتملة الأركان، تمس جوهر هويتها ووظيفتها ودورها التاريخي بحيث تحولت من حركة تحرر إلى إدارة أزمة بلا مشروع وطني.
فالحركة التي تأسست كأول تعبير فلسطيني مستقل عن الإرادات العربية، ورفعت شعار تحرير فلسطين بالكفاح المسلح، تحولت عمليًا إلى إطار إداري يدير سلطة محدودة الصلاحيات، بلا سيادة، وبلا أفق تحرري وذلك نتيجة خيارات سياسية متراكمة أعادت تشكيل فتح من حركة ثورة إلى حركة سلطة.
ويرى الكاتب والباحث السياسي محمد القيق أن جوهر أزمة فتح يكمن في افتراقها العميق عن بيئتها الفلسطينية، سواء على مستوى الشارع أو على مستوى الشراكة الوطنية مع الفصائل.
وقد بدأ هذا الافتراق يتحول إلى قطيعة منذ قبول القيادة بمشروع الدولة على حدود 1967، وهو المشروع الذي أعاد تعريف الصراع من كونه صراع تحرر وطني شامل إلى نزاع سياسي قابل للإدارة والتدوير.
ومنذ تلك اللحظة، دخلت فتح في مسار تنازلي جعلها أكثر عرضة للضغوط والابتزاز الإسرائيلي، خصوصًا عبر بوابة السلطة الفلسطينية وامتيازاتها.
حركة فتح ويكيبيديا
تحولت السلطة، التي كان يُفترض أن تكون أداة مرحلية في طريق التحرير، إلى قيد سياسي وأمني واقتصادي يكبل حركة فتح وقيادتها.
إذ أن دولة الاحتلال الإسرائيلي نجحت في تحويل السلطة إلى أداة ضبط للشارع الفلسطيني، وفتحت عبرها أبواب الضغط على القيادة من خلال المال والتصاريح والتنسيق الأمني.
في هذا السياق، باتت مصالح المسؤولين وامتيازاتهم جزءًا من معادلة القرار السياسي، ما أفقد فتح قدرتها على المناورة أو المواجهة، ورسخ حالة ارتهان بنيوي لإرادة الاحتلال.
ومرحلة ما بعد ياسر عرفات شكلت الانعطاف الأخطر في تاريخ الحركة. فبغياب القائد الذي كان يدير التناقضات ويوازن بين السياسي والكفاحي، ترسخت قيادة تؤمن بالمشاركة في النظام الدولي كخيار وحيد لا بديل عنه.
وقد تعاملت هذه القيادة مع “الشرعية الدولية” كمرجعية عليا، ولو جاء ذلك على حساب الثوابت الوطنية.
في هذا السياق، جرى شطب الكفاح المسلح رسميًا من برنامج فتح في نهاية التسعينيات، ليس كتكتيك مرحلي، بل كخيار استراتيجي نهائي، ما أدى إلى تجفيف أحد أهم مصادر شرعية الحركة التاريخية.
كما أن اختفاء الصوت الداعي للمقاومة داخل فتح جاء نتيجة إقصاء ممنهج لكل من حاول إعادة طرح سؤال الكفاح أو مراجعة المسار السياسي.
وبالتوازي مع ذلك تفاقم الفساد داخل السلطة، وتحولت فتح من حركة جماهيرية إلى شبكة مصالح مغلقة.
كما تراجع رموز الحركة التاريخيون الذين طالبوا بتجديد الميثاق وإحياء النهج الكفاحي، فيما صعدت قيادات إدارية ترى في إدارة الشأن اليومي إنجازًا بحد ذاته، رغم الغياب الكامل لأي إنجاز سياسي حقيقي.
ذكرى انطلاقة حركة فتح
يشير القيق إلى أن فتح التي وُلدت لتحرير فلسطين وجدت نفسها أسيرة التوازنات العربية وصراعات الأنظمة، وبدل أن تقود المشروع الوطني، أصبحت تتأثر بالمحاور الإقليمية، وتنقسم داخليًا بين خط يرفع شعارات المقاومة دون أدوات، وخط آخر يربط مصير الحركة بعواصم عربية وبمصالح دولية.
وقد جرى تغليف هذا الانقسام بشعارات الوحدة، بينما كان القرار الفعلي يميل لصالح إدارة السلطة والتزاماتها الأمنية والسياسية.
النتيجة أن فتح فقدت تدريجيًا قدرتها على تمثيل المزاج الشعبي الفلسطيني، خاصة بعد تصاعد موجات المقاومة خارج أطرها التنظيمية.
والشارع الفلسطيني، الذي لم يعد يرى في السلطة عنوانًا للتحرر، بدأ يتعامل مع فتح باعتبارها جزءًا من الأزمة لا جزءًا من الحل. هذا التآكل في الشرعية لم يُقابل بمراجعة جادة، بل بمحاولات ضبط أمني وخطاب سياسي يبرر الواقع بدل تغييره.
الأخطر، كما يرى القيق، هو التحول في الرواية التاريخية للحركة. تبني خطاب “دولة المؤسسات” بدل “دولة التحرير” لم يكن مجرد تحديث سياسي، بل اعتراف ضمني بانتهاء المشروع التحرري.
في ظل احتلال كامل، وحدود مفتوحة للعدوان، واستيطان متسارع، يبدو الحديث عن مؤسسات بلا سيادة ضربًا من إدارة الوهم السياسي.
وعليه فإن فتح في ذكرى انطلاقتها 61، تبدو حركة بلا بوصلة واضحة فلا هي قادرة على العودة إلى جذورها الثورية، ولا هي قادرة على تحقيق إنجازات سياسية ضمن مسار التسوية.
ويؤكد المراقبون أنه من دون مراجعة جذرية تعيد تعريف وظيفة الحركة وتفصل بين فتح كحركة تحرر والسلطة كإطار إداري، ستبقى فتح عالقة في منطقة رمادية، تستنزف تاريخها وتفقد ما تبقى من رصيدها الشعبي، بينما يواصل المشروع الوطني الفلسطيني البحث عن قيادة توازي حجم التحديات.





