هاني المصري يحذّر من تكرار فخ أوسلو عبر مسودة الدستور

حذّر مدير مركز مسارات لأبحاث السياسات هاني المصري، من خطورة المضي في إعداد دستور فلسطيني في ظل استمرار الاحتلال، معتبرًا أن هذه الخطوة تعيد إنتاج المعادلة الخاطئة التي فُرضت على الفلسطينيين منذ اتفاق أوسلو، وقد تقود إلى تكريس الاستبداد بدل بناء دولة ديمقراطية تعددية.
وقال المصري إنه مطّلع على ملف لجنة إعداد الدستور، أو على الأقل سمع من أعضاء فيها خلال الأسابيع الماضية، أن الاجتماع القادم قد يكون الاجتماع الأخير، وكان هناك حديث سابق عن الإعلان عن المسودة الأولى في ذكرى الاستقلال، إلا أن ما يجري لا يخلو من اجتهادات واختلافات، نظرًا لأن الموضوع بالغ الحساسية، وليس تفصيلًا عابرًا.
وأوضح أن هذا الملف إما أن يفتح طريقًا حقيقيًا للوحدة، أو يقضي على أي إمكانية لها، مشددًا على أن الدستور ليس مخصصًا للقوى السياسية أو الفصائل، بل لكل الناس، ولذلك فإن التعامل معه يجب أن يكون بمنتهى الجدية والمسؤولية.
فخ أوسلو وإقرار الدستور
وأكد المصري أن موقفه، وهو الموقف الذي تبناه مركز “مسارات” في أكثر من ندوة سابقة، يقوم على أنه لا داعي لإقرار دستور قبل إنهاء الاحتلال، لأن الدستور يترتب عليه حقوق وواجبات، وبدون سيادة لا تستطيع الدولة أن تؤدي هذه الحقوق والواجبات.
واعتبر أن ما يجري هو استمرار للمعادلة المقلوبة التي بدأت منذ أوسلو، حين طُلب من الفلسطينيين الالتزام بالأمن مقابل وعود بالدولة، فالتزموا، ومنعوا المقاومة واعتقلوا المقاومين، ثم لم تتحقق الدولة، بل طُلبت تنازلات إضافية.
وأشار إلى مرحلة “بناء مؤسسات الدولة” التي رُوّج لها في فترة حكومة سلام فياض، معتبرًا أن فكرة إقامة دولة أو توفير مستلزمات دولة تحت الاحتلال تبرئ الاحتلال من مسؤولياته، وتحوّل استمرار الاحتلال إلى نتيجة لغياب “سلطة حكيمة ونزيهة”، بدل تحميل الاحتلال مسؤوليته المباشرة.
وفي رده على الطرح القائل إن إعلان دستور أو دولة فلسطينية سيسهّل الاعتراف الدولي وينهي الاحتلال، قال المصري إن الاعتراف الدولي موجود أصلًا، حيث تعترف أكثر من 160 دولة بدولة فلسطين، كما أن فلسطين دولة مراقبة في الأمم المتحدة، مؤكدًا أن ما يمنع العضوية الكاملة هو الفيتو الأمريكي، داعيًا إلى عدم تكرار نفس الطروحات والادعاء بأنها حلول جديدة.
تشكيل لجنة لوضع الدستور
وحذّر المصري من خطورة إدراج بنود تُلزم كل فلسطيني بالموافقة على برنامج منظمة التحرير والتزاماتها، معتبرًا أن ذلك لا يبشر بدولة، بل ينذر بدولة استبدادية قمعية، وليست دولة تعددية ديمقراطية تحترم المواطنين كمواطنين.
وأوضح أن فرض برنامج سياسي واحد أمر خطير، لأن البرامج السياسية متغيرة بطبيعتها، ولأن الوقائع أثبتت أن الرهان على المفاوضات والتنازلات كطريق لإقامة الدولة قد فشل، كما أن المقاومة، رغم تضحياتها النبيلة وبسالتها، لم تحقق أهدافها حتى الآن، ما يستدعي نقاشًا وطنيًا جادًا حول البرنامج الأنسب وكيفية تحقيقه.
وانتقد المصري تشكيل لجنة لوضع الدستور دون تمثيل معظم القوى والاتجاهات والشخصيات الفلسطينية، مؤكدًا أن الدستور لا يُقر كما تُقر الحكومات بالأغلبية، بل يحتاج إلى توافق وطني واسع.
وبيّن أن الطريق الصحيح لصياغة دستور ديمقراطي يتم عبر تشكيل جمعية تأسيسية تضم مختلف الأطياف، تتولى إعداد مسودة الدستور، ثم تُعرض هذه المسودة على استفتاء شعبي عام، وهو المسار الذي سلكته الدول التي أرادت فعلًا إقامة حكم رشيد وديمقراطي.
وحذر المفكر هاني المصري من أن صياغة الدستور عبر عدد محدود من الأشخاص المعروف مسبقًا توجههم وما يريدون قوله، لن تؤدي إلى خلاص وطني، بل قد تقود إلى استبداد على مرحلة كاملة، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة لا يُعرف إلى أين يمكن أن تفضي.





