تحليلات واراء

كيف تحوّل نقد حماس إلى منصة للهجوم على الدين والثوابت الوطنية؟

يشهد الخطاب العام في الساحة الفلسطينية والعربية خلال الفترة الأخيرة تحوّلًا لافتًا في طبيعة الخلاف مع حركة حماس، بحيث لم يعد محصورًا في الإطار السياسي أو التنظيمي أو حتى في تقييم الخيارات العسكرية، بل اتخذ مسارًا أوسع يمسّ الدين والثوابت الوطنية نفسها.

ويمثل هذا التحول، كما يوضح الكاتب بلال جميل مطاوع، انزلاقًا إلى صدام مع الأسس الجامعة التي شكّلت تاريخيًا قاسمًا مشتركًا بين مختلف التيارات الفلسطينية.

فمن حيث المبدأ، يميّز مطاوع بين نوعين من الخلاف: خلاف مشروع يندرج ضمن ما يسميه الفقهاء «اختلاف التنوع»، وخلاف آخر يتحول إلى «اختلاف تضاد».

في الإطار الأول، يضع النقد الموجّه إلى حركة حماس، سواء على مستوى إدارتها للحكم أو أسلوبها المقاوم، باعتباره نقاشًا داخليًا في سياق المشروع المقاوم.

ويستشهد مطاوع في هذا السياق بكتاب «تراجيديا فلسطينية من وحي الحرب» (2025) للدكتور وليد القططي، عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي، الذي قدّم قراءة نقدية لطوفان الأقصى ولسلوك حماس، دون أن يخرج عن النسق المقاوم أو ينقلب على الثوابت الوطنية.

غير أن الإشكالية، بحسب مطاوع، تبدأ حين يُستَخدم الخلاف مع حماس كذريعة لتجاوز هذه الثوابت. هنا لا يعود الأمر نقدًا سياسيًا، بل يتحول إلى سلوك يتضمن شتم الشهداء، الازدراء بأي فعل مقاوم، التشكيك في قيمة التضحيات، بل والتعامل مع جرائم الحرب التي يرتكبها الاحتلال بحق النساء والأطفال بوصفها مادة للشماتة أو الابتزاز السياسي.

وهذا المسار، كما يراه الكاتب، لا يمكن تبريره تحت أي غطاء فكري أو سياسي، لأنه يضع صاحبه خارج الإجماع الوطني.

المقاومة الفلسطينية في غزة ويكيبيديا

يشير التحليل إلى أن هذه الممارسات لا تمثل موقفًا معارضًا لحماس بقدر ما تعكس انتقالًا واعيًا إلى مربع آخر، هو مربع تبرير الاحتلال أو تسويغ أدواته.

ويقدّم مطاوع مثالًا على ذلك من خلال الإشارة إلى المليشيات التي نشأت شرق الخط الأصفر، وكل من يروّج لها أو يبرر وجودها، باعتبارها نموذجًا صارخًا لتحوّل الخلاف السياسي إلى خدمة مباشرة لأجندات معادية.

في هذا السياق، يلفت الكاتب إلى معادلة خطيرة باتت تُطرح ضمنيًا في الخطاب العام: إما أن تكون «وطنيًا» وفق تعريف ضيق، أو تُصنّف تلقائيًا في خانة «العمالة» أو «اللحدية».

ولا يخدم هذا الاستقطاب الحاد، وفق مطاوع، إلا تفكيك المجتمع الفلسطيني من الداخل، ويعيد إنتاج منطق الإقصاء الذي لطالما سعى الاحتلال إلى ترسيخه.

والأخطر، وفق الكاتب، أن هذا المسار لم يتوقف عند حدود الثوابت الوطنية، بل بدأ يتعداها إلى استهداف مباشر للثوابت الدينية. فبات الاختلاف مع حماس يُستخدم اليوم لتبرير التحريض على المساجد، وحلقات العلم الشرعي، والعلماء، والمظاهر الدينية العامة، وصولًا إلى السخرية من الأسماء ذات الدلالة الإسلامية، بما في ذلك أسماء الصحابة.

هنا، ينتقل الخلاف من السياسة إلى الهوية، ومن النقاش العام إلى المساس بالمرجعيات الثقافية والدينية للمجتمع.

تفكيك المنظومة القيمية من الداخل

يؤكد الكاتب أن هذا الهجوم، حتى وإن جرى تسويقه باعتباره رفضًا لنهج ديني معين تتبناه حماس، فإنه في جوهره استهداف شامل للدين ذاته، بغض النظر عن الانتماء التنظيمي أو الفكري لمن يتعرض له. فالمساجد والعلماء والرموز الدينية ليست ملكًا لحركة بعينها، بل تشكل جزءًا من البنية التاريخية والاجتماعية للشعب الفلسطيني.

من زاوية تحليلية، يربط مطاوع بين هذا الانزلاق وبين ما يسميه «موجة استعمارية جديدة»، لا تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل على تفكيك المنظومة القيمية من الداخل.

وفي هذا الإطار، يحذّر من أن الصمت أو التواطؤ مع هذا الخطاب قد يؤدي إلى فتنة داخلية وفساد واسع، وفق التعبير القرآني الذي يستحضره الكاتب.

ويختتم التحليل بسؤال مفتوح لكنه حاسم: إذا كان الخروج عن الثوابت الوطنية يقود إلى الخيانة السياسية، فأين يمكن أن يقود الصدام مع الدين نفسه؟ سؤال يعكس، في جوهره، قلقًا من مسار يتجاوز الخلاف المشروع إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي بما يخدم الاحتلال أكثر مما يخدم أي مشروع تحرري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى