تحليلات واراء

من التخلي إلى التجريم: فتح تُحول المقاومة إلى تهمة وتُبرئ الاحتلال

تتجاوز حركة فتح، وفق مراقبين، مرحلة التخلي العملي عن خيار المواجهة مع الاحتلال، إلى مرحلة أخطر تتمثل في تجريم المقاومة وشيطنتها وتحميلها مسؤولية جرائم الاحتلال الإسرائيلي، في انقلاب صريح على جوهر المشروع الوطني الفلسطيني.

هذا التحول الحاد لخصته الكاتبة والباحثة السياسية لمى خاطر في تغريدة أثارت تفاعلًا واسعًا، قالت فيها إن فتح “أنهت عمليًا علاقتها بالمقاومة، واعتبرتها عبئًا على المشروع الوطني، الذي لم يتبق منه سوى مناصب السلطة الفلسطينية”، في توصيف قاسٍ لكنه يعكس، بحسب كثيرين، واقع السلوك السياسي الراهن للحركة.

وترى خاطر أن “جناية فتح لم تعد تقتصر على التخلي عن خيار المواجهة”، بل تجاوزته إلى محاولة تجريم المقاومة وشيطنتها، وصولًا إلى تحميلها مسؤولية العدوان الإسرائيلي نفسه. وهو خطاب بات يتكرر على ألسنة قيادات وناطقين محسوبين على الحركة، لا سيما خلال العدوان الأخير على قطاع غزة.

ويعيد هذا الخطاب، وفق مراقبين، إنتاج روايته الأمنية، التي تصور المقاومة كـ“سبب للعنف” لا كاستجابة طبيعية للاحتلال والاستيطان والحصار. وهو ما يعني عمليًا نقل مركز الإدانة من الجلاد إلى الضحية، ومن القوة المحتلة إلى الشعب الواقع تحت الاحتلال.

ذروة الانحدار: غزة والضفة معًا

بحسب لمى خاطر، بلغ هذا النهج ذروته خلال العدوان على غزة، ليس فقط عبر الخطاب السياسي، بل عبر سياسات عملية على الأرض، تمثلت في “تسكين الضفة الغربية” وملاحقة الأصوات المؤيدة للمقاومة، سواء عبر الاعتقال أو الاستدعاء أو التضييق الوظيفي والأمني.

وتشير تقارير حقوقية فلسطينية إلى تصاعد ملحوظ في اعتقالات السلطة الفلسطينية لنشطاء وصحفيين وطلبة جامعات على خلفية التعبير عن دعمهم للمقاومة، في وقت كانت فيه غزة تتعرض لإبادة جماعية وعدوان واسع النطاق.

ويرى متابعون أن هذا السلوك يعكس انسجامًا كاملًا مع متطلبات “التنسيق الأمني”، الذي لم يعد – بحسب توصيفهم – مجرد التزام سياسي، بل تحول إلى عقيدة أمنية تحكم علاقة السلطة بالمجتمع الفلسطيني.

التناقض الفج مع تاريخ فتح

تلفت خاطر إلى مفارقة صارخة، إذ تواصل فتح في الوقت ذاته التغني بتاريخها النضالي، واستحضار رموز الكفاح المسلح في أدبياتها وخطاباتها، بينما تعتمد اليوم معايير سياسية وأمنية لو طُبقت على تاريخها نفسه، لأدت إلى تجريم هذا التاريخ واعتباره سببًا في “استجلاب القتل والتدمير”.

ويعكس هذا التناقض، بحسب خاطر، محاولة واعية لإعادة هندسة الوعي الفلسطيني، عبر فرض خيار سياسي فاشل، ثبت عجزه على مدى عقود، يقوم على إقصاء المقاومة وتحويلها من فعل تحرري مشروع إلى تهمة أخلاقية وسياسية.

ويرى محللون أن هذا المسار يخدم هدفًا واحدًا: نزع الشرعية عن أي شكل من أشكال المقاومة، مقابل الإبقاء على “شرعية” مسار تفاوضي ميت، لم يوقف استيطانًا، ولم يحرر أسيرًا، ولم يمنع مجزرة. وفي المقابل، يُترك الاحتلال خارج دائرة المساءلة، بل يجري تبرير جرائمه بوصفها “نتائج” لأفعال المقاومة.

ويحذر هؤلاء من أن أخطر ما في هذا الخطاب أنه يُفكك الإجماع الوطني، ويزرع الانقسام الأخلاقي داخل المجتمع الفلسطيني، عبر تصوير من يقاوم الاحتلال كخطر داخلي، لا كحامل لحق مشروع كفلته القوانين الدولية.

وتكشف مواقف فتح الراهنة، كما تقول خاطر، عن أزمة مشروع سياسي لم يعد يملك من أدواته سوى السلطة بوصفها امتيازًا إداريًا وأمنيًا، لا بوصفها وسيلة تحرر، ما يدفعه إلى اعتبار أي فعل مقاوم تهديدًا مباشرًا لوجوده.

وبينما تستمر غزة في دفع ثمن الاحتلال، وتواصل الضفة الغربية الاشتعال تحت وطأة الاستيطان والاقتحامات، يبدو أن الصراع لم يعد فقط مع الاحتلال، بل مع خطاب داخلي يسعى إلى تجريم الحق في المقاومة، وإعادة تعريف الوطنية على مقاس الهزيمة، لا على مقاس التحرر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى