معالجات اخبارية

اعتقال طلبة الجامعات في الضفة يكرس نهج القمع الشامل للسلطة

تنتهج السلطة الفلسطينية شن حملات أمنية منتظمة تستهدف اعتقال طلبة الجامعات في الضفة الغربية المحتلة لتكريس نهج القمع الشامل وسحق الحريات العامة وفرض عقلية حكم ترى في الجيل الشاب خطرًا يجب إخضاعه، وفي الجامعة مساحة يجب تدجينها.

وتحول هذه الممارسات التي تتوسع بصمت رسمي مريب، الأجهزة الأمنية من أداة يفترض أن تحمي المجتمع إلى عصا غليظة لكسر أي صوت خارج الطاعة المفروض من مقر المقاطعة في رام الله وداخل غرف القيادة الأمنية.

وقد أدانت لجنة أهالي المعتقلين السياسيين في الضفة الغربية، بشدة استمرار اعتقال عدد من الطلبة الجامعيين من مختلف جامعات الضفة، مؤكدة أن عددهم تجاوز ثمانية طلاب، في مؤشر على نهج منظم لا على “حالات فردية” كما تحاول السلطة تسويقه.

وأوضحت اللجنة أن أجهزة الأمن تواصل اعتقال الطلبة عبيدة عايدي، وعز الدين عصارة، وعماد عصارة من جامعة الخليل، في استهداف مباشر للحركة الطلابية داخل واحدة من أعرق الجامعات الفلسطينية.

ومن جامعة بوليتكنك فلسطين، لا تزال الأجهزة الأمنية تحتجز الطلبة عيسى عصافرة، وأسامة عصافرة، وعلاء شروف، في سياق متكرر يعكس نمطًا ثابتًا من الملاحقة، لا علاقة له بالقانون أو بالإجراءات القضائية السليمة، بل بمنطق “الضبط المسبق” لكل من يُشتبه بخروجه عن الخط السياسي المرسوم.

كما تواصل السلطة اعتقال الطالب منتصر الشنار، وهو طالب في كلية الدراسات العليا بجامعة النجاح الوطنية، منذ أكثر من أسبوعين، دون إعلان واضح عن التهم أو تقديمه لمحاكمة عادلة.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

تندرج اعتقالات لطلبة الجامعات في سياق سياسي مأزوم تعيشه السلطة، التي فقدت منذ سنوات أي تفويض شعبي حقيقي، وتعوّض هذا الفراغ بتشديد القبضة الأمنية على المجتمع، وبالأخص على فئة الطلبة، بوصفهم تاريخيًا وقود الحراك الوطني ومحرك التغيير.

الجامعة، في عقل السلطة الأمنية، لم تعد فضاءً للعلم والنقاش، بل “منطقة خطر” يجب مراقبتها وإفراغها من أي مضمون سياسي أو نقدي.

وقد حملت لجنة أهالي المعتقلين السياسيين أجهزة السلطة المسؤولية الكاملة عن سلامة الطلبة، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم، ووقف سياسة الاعتقال والاستهداف بحق الطلبة.

كما دعت المؤسسات الحقوقية، والهيئات الأكاديمية، والقوى الوطنية، والحركة الطلابية، وإدارات الجامعات إلى تحمّل مسؤولياتها، وعدم الاكتفاء ببيانات خجولة، والتحرك العاجل لوضع حد لهذه الانتهاكات التي باتت تمسّ جوهر الحق في التعليم والحرية.

انتهاكات السلطة الفلسطينية في ميزان الحقوق

أكدت المنظمة العربية لحقوق الإنسان أن انتهاكات السلطة الفلسطينية تتعارض بشكل صارخ مع المبادئ الأساسية التي يكفلها القانون الأساسي الفلسطيني، والذي ينص بوضوح على حماية الحرية الشخصية، وعدم جواز التوقيف أو الاعتقال إلا بأمر قضائي، وضرورة إبلاغ المعتقل بأسباب اعتقاله، وتمكينه من التواصل مع محامٍ وعائلته.

وأشارت المنظمة إلى أن ممارسات مثل الاستدراج عبر الخداع، أو مداهمة المنازل دون ضمانات قانونية، تشكل خرقًا جسيمًا لسيادة القانون، وتنسف ما تبقى من ثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية.

الأخطر أن هذه السياسة لا تقتصر على الطلبة فحسب، بل تمتد لتشمل الصحفيين على خلفية عملهم وآرائهم، والأسرى المحررين بسبب تاريخهم النضالي، في اعتداء مباشر على حرية التعبير والرأي والحق في العمل.

وبدل أن تشكل السلطة مظلة حماية للمجتمع الفلسطيني في مواجهة الاحتلال، تتحول إلى طرف إضافي في منظومة القمع، يلاحق أبناء شعبه ويضيّق عليهم في لحظة تاريخية يفترض أن تتوحد فيها الجبهة الداخلية.

وفي ظل واقع فلسطيني مثقل بالاحتلال والاستيطان والاقتحامات اليومية، لا يؤدي هذا النهج إلا إلى تعميق الجراح الداخلية، وإضعاف النسيج الاجتماعي، وتكريس حالة من الخوف والإحباط، خصوصًا بين فئة الشباب. فكيف يمكن إقناع طالب جامعي بأن مستقبله الوطني يمر عبر سلطة تعتقله لأنه عبّر عن رأيه، أو شارك في نشاط طلابي، أو حمل موقفًا سياسيًا لا ينسجم مع توجهاتها؟

وتؤكد المنظمة العربية لحقوق الإنسان أن استمرار هذا المسار يهدد بتحويل الاعتقال التعسفي إلى أداة حكم اعتيادية، تُمارَس خارج أي رقابة قضائية حقيقية، وتحت غطاء “الأمن”. وهو ما يستدعي مراجعة جذرية وشاملة لبنية العقيدة الأمنية للسلطة، وضمان خضوع الأجهزة للقانون لا العكس، واحترام حقوق الإنسان بوصفها أساس الشرعية لا ترفًا سياسيًا.

فالسلطة التي تقمع طلبتها، وتخنق جامعاتها، وتلاحق شبابها، لا تحمي مشروعًا وطنيًا، بل تقوّضه من الداخل. وما لم يتوقف هذا النهج، فإن الثمن لن يكون فقط مزيدًا من المعتقلين، بل مزيدًا من التآكل في ما تبقى من ثقة، ومزيدًا من القطيعة بين جيل كامل وسلطة اختارت أن تحكمه بالخوف بدل أن تمثله بالإرادة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى