قيادي سابق في فتح: الحركة تنقلب على مسارها التاريخي وتفرّغ مشروعها الوطني من مضمونه

كشف القيادي السابق في فتح، معين الطاهر، العضو السابق في المجلس الثوري للحركة والمجلس العسكري الأعلى للثورة الفلسطينية، عن أزمة عميقة تضرب جوهر حركة فتح ومسارها التاريخي، معتبراً أن الحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود تتجه اليوم نحو مسار يناقض الأسس التي انطلقت لأجلها منذ تأسيسها.
وفي قراءة نقدية لمسار الحركة بعد 61 عاماً على انطلاقتها، قال الطاهر إن فتح انتقلت تدريجياً من حركة تحرر وطني تقود الكفاح المسلح وتتبنى تحرير كامل التراب الفلسطيني، إلى كيان سياسي ذائب في بنية السلطة الفلسطينية، فاقدٍ لاستقلاله الثوري وقراره الوطني، ومكبّل بالتزامات سياسية وأمنية فرضتها اتفاقات التسوية، وفي مقدمتها اتفاق أوسلو عام 1993.
وأشار الطاهر إلى أن التحولات التي مرت بها فتح لم تكن مفاجئة، بل جاءت نتيجة مسار طويل من التنازلات المتراكمة، حيث حاولت الحركة في مراحلها الأولى الجمع بين البندقية ومسار التسوية، قبل أن تنتهي فعلياً إلى التخلي الكامل عن خيار الثورة، تحت شعار الانتقال من حركة تحرر إلى “مشروع دولة” لم يرَ النور، فيما بقي الاحتلال يتمدد والاستيطان يتوسع.
حركة فتح ويكيبيديا
أبرز الطاهر أن محاولة الرئيس الراحل ياسر عرفات التمرد على معادلة أوسلو خلال الانتفاضة الثانية شكّلت آخر محاولات كسر هذا المسار، إلا أن نتائجها جاءت عكسية، إذ تراجعت شعبية فتح، وتغيرت بنيتها، وذابت الحركة ومعها منظمة التحرير الفلسطينية داخل مؤسسات السلطة وأجهزتها، ما أفقدها دورها التاريخي كحركة جامعة للشعب الفلسطيني.
ولفت الطاهر إلى أن الذكرى الـ61 لانطلاقة فتح شكّلت محطة غير مسبوقة في تاريخ الحركة، إذ غابت الاحتفالات الرسمية لأول مرة، بعد إعلان أطر تنظيمية وازنة، من بينها قيادة الشبيبة الفتحاوية وأقاليم الحركة في الضفة الغربية، مقاطعتها لأي فعاليات، احتجاجاً على ما وصفته بتخلي القيادة عن “كرامة من قاتلوا وضحوا”.
وجاء هذا الموقف على خلفية قرار الرئيس محمود عباس تحويل مخصصات الشهداء والأسرى والجرحى إلى “هيئة للمعونة الاجتماعية”، في خطوة اعتبرها منتقدون رضوخاً صريحاً للضغوط الإسرائيلية والغربية، وتحويلاً للقضية من قضية نضالية إلى ملف اجتماعي، في تناقض صارخ مع النظام الداخلي الأول لحركة فتح، الذي خصص نصف ميزانيتها لعائلات الشهداء والأسرى.
ذكرى انطلاقة حركة فتح
أشار الطاهر، إلى اقتصار الذكرى هذا العام على كلمة تقليدية للرئيس عباس وزعتها وكالة “وفا”، في وقت عبّرت فيه القواعد التنظيمية عن قطيعة واضحة مع قيادة فقدت، بحسب توصيفه، البوصلة الوطنية والمعنى السياسي لانطلاقة الحركة.
وسجل الطاهر لعباس موقفه الرافض لصفقة “ترامب – نتنياهو” عام 2020، إلا أنه اعتبر هذا الرفض شكلياً، بحيث لم يُترجم إلى خطوات عملية، مثل تشكيل قيادة وطنية موحدة، أو إعادة بناء منظمة التحرير، أو تبني برنامج نضالي فعلي.
كما أشار إلى أن قرارات المجلس المركزي بسحب الاعتراف بإسرائيل وإلغاء التنسيق الأمني وتجميد أوسلو بقيت حبراً على ورق، وتم التراجع عنها من دون أي مساءلة أو مراجعة مؤسسية.
وأكد أن القيادة الفلسطينية اختارت خلال السنوات الأخيرة سياسة الجمود الكامل، في ظل تصاعد الاستيطان وضم الأراضي وتآكل صلاحيات السلطة، إلى جانب تعطيل الانتخابات العامة، والتلاعب بعضوية المؤسسات التمثيلية، واستبدال النظام الدستوري بسلسلة مراسيم رئاسية، ما أدخل النظام السياسي الفلسطيني في مرحلة حكم فردي مغلق.
ووصف الطاهر موقف قيادة فتح خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة بأنه “التحول الأخطر”، معتبراً أنها تبنت عملياً الرواية الأميركية التي راهنت على القضاء على المقاومة مقابل إعادة تمكين السلطة، متجاهلة أن المعركة في الضفة الغربية لا تقل خطورة، وأن مشروع الاحتلال يستهدف إنهاء السلطة نفسها، لا حمايتها.
وأشار إلى أن تعهدات القيادة بتعديل قوانين الانتخابات لمنع ترشح أي قوى لا تلتزم باتفاقات أوسلو تمثل انقلاباً على أبسط قواعد الديمقراطية، وتحويل الانتخابات إلى عملية شكلية محصورة في فريق سياسي واحد، في سابقة لم تشهدها حتى دول وقعت اتفاقات سلام مع دولة الاحتلال.
وختم الطاهر بالتحذير من أن ما تواجهه فتح اليوم لم يعد مجرد نهاية مرحلة أو إخفاق سياسي، بل مساس مباشر بجوهر الفكرة التي قامت عليها الحركة، في لحظة تهدد بتفريغ المشروع الوطني الفلسطيني من مضمونه التاريخي، ومنع أي إمكانية لولادة مسار تحرري جديد.





