معالجات اخبارية

تصريحات موثقة لقيادات السلطة تكشف مسؤوليتها عن عزل غزة

منذ سنوات، لم تكن علاقة السلطة الفلسطينية بقطاع غزة علاقة إدارة أو احتضان سياسي، بل اتسمت بسلسلة مواقف وقرارات اعترف بها قادتها لاحقًا، تكشف اعتماد سياسة العقاب والضغط كأداة لإدارة الانقسام، وهي السياسة التي ترافقت مع العدوان الإسرائيلي الأخير، حيث تُرك القطاع يواجه الإبادة الجماعية دون أي دعم سياسي أو ميداني فعلي.

عزام الأحمد وعقوبات غزة

وأقرّ عضو اللجنة المركزية لحركة فتح عزام الأحمد في مقابلات تلفزيونية متعددة، أنه كان أحد المشاركين مع الرئيس محمود عباس والدائرة المقربة منه في فرض العقوبات على سكان قطاع غزة، بهدف إجبارهم على الخروج ضد حركة حماس ومحاولة استعادة السيطرة الأمنية على القطاع.

وقال الأحمد صراحة:“أقول بملء فمي إن غزة ليست بحاجة إلى إمدادات من المواد الغذائية أو الإنسانية”.

وفي يوليو 2018، أعلن من القاهرة أن “غزة مختطفة من قوة مسلحة”، مهددًا باتخاذ خطوات عملية لتقويض سلطة حماس، وداعيًا السلطات المصرية لدعم هذا التوجه.

كما كشف في يناير 2019 أن الإجراءات ضد غزة قد تشمل الجوازات والشهادات التعليمية، إضافة إلى سحب موظفي السلطة من المعابر، معتبرًا أن الانسحاب من معبر رفح “مجرد بداية”.

وهذه التصريحات، التي قُدمت آنذاك في سياق “إنهاء الانقسام”، تحولت لاحقًا إلى سياسة قائمة طالت الحقوق الأساسية لسكان القطاع.

وفي سياق متصل، أعلن مركز غزة لحقوق الإنسان أمس الثلاثاء، تلقيه شكاوى متزايدة من فلسطينيين من قطاع غزة يقيمون في الخارج، أفادوا بتعرضهم لرفض إصدار أو تجديد جوازات سفرهم من قبل السفارات والبعثات الدبلوماسية الفلسطينية بذريعة “المنع الأمني”.

ويرى حقوقيون أن هذه الإجراءات تعكس استمرارًا لنهج العقاب الإداري الذي جرى التلويح به سابقًا على لسان قيادات في السلطة، وعلى رأسهم عزام الأحمد.

محمد اشتية والتنصل من المسؤولية

من جهته، قال رئيس الحكومة السابق محمد اشتية إن هجوم السابع من أكتوبر “أصابه بالصدمة”، وإن السلطة دخلت في حالة ارتباك منذ اللحظة الأولى، مشيرًا إلى أنه بادر بالاتصال بالرئيس محمود عباس لعقد اجتماع أمني لمعرفة ما جرى.

ووصف اشتية العملية بأنها “خطأ”، معتبرًا أن حركة حماس “أخرجت القضية من الثلاجة لكنها أدخلتها الفرن”، في وقت كانت فيه غزة تتعرض لحرب إبادة واسعة، وهو توصيف أثار انتقادات باعتباره تجريمًا سياسيًا لفعل المقاومة بدل تحميل الاحتلال المسؤولية المباشرة عن المجازر والدمار.

ورغم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة، نفى اشتية أي مسؤولية للسلطة عن الجوع والفقر وانقطاع الرواتب في غزة والضفة الغربية، محمّلًا إسرائيل المسؤولية الكاملة، دون التطرق إلى دور حكومته في العقوبات المالية والإدارية التي فُرضت على قطاع غزة لسنوات، والتي ساهمت في إنهاك البنية الاجتماعية والاقتصادية للقطاع.

كما أشار إلى أن حكومته كانت ترسل رواتب ومساعدات لغزة حتى ليلة السابع من أكتوبر، في تصريح رآه مراقبون محاولة لتسويق الحد الأدنى من الالتزامات كإنجاز سياسي، في وقت كانت فيه غزة تواجه الإبادة دون أي دعم فعلي أو قرارات تُحدث فارقًا على الأرض.

غزة تُباد والسلطة غائبة

وفي مقابل هذه التصريحات، لم تسجل أي خطوات عملية للسلطة تتناسب مع حجم الإبادة في غزة، سواء على مستوى كسر الحصار، ووقف التنسيق الأمني، وتوفير دعم مالي أو إداري مباشر، أو اتخاذ قرارات سياسية تُحمّل الاحتلال كلفة حقيقية، بل ركّز خطاب السلطة على إدانة لفظية، ومطالبات دولية، وشروط سياسية تتعلق بسلاح المقاومة وإدارة القطاع.

وتُظهر مواقف وتصريحات كلٍّ من عزام الأحمد ومحمد اشتية أن قطاع غزة لم يكن خارج سياسات السلطة قبل الحرب، بل خضع لسنوات من العقوبات المالية والإدارية المعلنة، التي شملت تقليص الرواتب، ووقف التحويلات، والتضييق على الخدمات، وهو ما أسهم في إضعاف البنية الاقتصادية والاجتماعية للقطاع قبل اندلاع العدوان الأخير.

ومع بدء حرب الإبادة، لم تسجل أي خطوات عملية للسلطة تتناسب مع حجم الكارثة، سواء على مستوى كسر الحصار، أو توفير دعم مالي وإداري مباشر، أو اتخاذ قرارات سياسية تُحمّل الاحتلال مسؤولية قانونية أو سياسية ملموسة، واقتصر الموقف على تصريحات إعلامية، وتوصيفات عامة، وإلقاء اللوم على أطراف أخرى، دون ترجمة ذلك إلى أفعال.

ويشير هذا المسار، بحسب متابعين، إلى أن غياب الفعل السياسي للسلطة خلال الحرب لم يكن ظرفيًا أو ناتجًا عن العجز وحده، بل جاء امتدادًا لسياسة سابقة تعاملت مع قطاع غزة باعتباره ملفًا للضغط الداخلي، وهو ما انعكس خلال العدوان في غياب أي تحرك فعلي يوفر غطاءً سياسيًا للقطاع أو يفرض كلفة على الاحتلال، بينما استمر العدوان دون تغيير يُذكر في مواقف السلطة أو أدواتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى