إسرائيل تراقب التوتر السعودي الإماراتي وسط قلق استراتيجي وحسابات نفوذ إقليمي

لا تنظر دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى التوتر السعودي الإماراتي المتصاعد بوصفه شأناً خليجياً داخلياً بل تتعامل معه كتحوّل استراتيجي عميق يعيد تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة بها، ويؤثّر مباشرة في حسابات الأمن القومي الإسرائيلي، ومسارات التطبيع، وأمن الملاحة، وتوازنات النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وتشير قراءات وتحليلات إسرائيلية متراكمة إلى أن التصدّع السعودي–الإماراتي يعكس اختلافاً بنيوياً في الرؤية الإقليمية لكل من الرياض وأبوظبي، وليس مجرد تباين تكتيكي حول ملفات محددة.
فبينما تسعى السعودية إلى إعادة ترسيخ دورها كقوة مركزية تقليدية تقود النظام الإقليمي من خلال الدولة ومؤسساتها، تعتمد الإمارات نموذجاً مختلفاً يقوم على النفوذ غير المباشر، والسيطرة على الموانئ، وبناء شبكات أمنية وعسكرية عابرة للحدود.
التطبيع العربي الإسرائيلي ويكيبيديا
وفق تقديرات باحثين في مؤسسات إسرائيلية، من بينها معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، فإن هذا التناقض في الرؤى بلغ مرحلة بات فيها كل طرف يرى في الآخر منافساً يهدد موقعه ودوره الإقليمي.
ويذهب بعض الباحثين الإسرائيليين إلى توصيف الإمارات بأنها أصبحت “شوكة في خاصرة الرياض”، بعدما انتقلت من دور الشريك الأصغر إلى فاعل إقليمي يرى نفسه مساوياً – وربما متقدماً – على السعودية في بعض الساحات.
وتتابع دولة الاحتلال هذا التحول بدقة، خصوصاً أن علاقتها مع الإمارات باتت تُصنّف داخل المؤسّسة الأمنية الإسرائيلية على أنها علاقة استراتيجية متكاملة، تشمل التعاون الأمني والاستخباري والاقتصادي، وتمتد إلى ملفات حساسة مثل قطاع غزة، والبحر الأحمر، والقرن الأفريقي.
وفي المقابل، تدرك تل أبيب أن أي انحياز علني لأبوظبي على حساب الرياض قد يُغلق الباب أمام مشروع التطبيع مع السعودية، الذي ما زال يُنظر إليه إسرائيلياً بوصفه “الجائزة الكبرى” في الإقليم.
لهذا السبب، تعتمد دولة الاحتلال سياسة حذرة تقوم على عدم الانخراط العلني في الخلاف، وتجنّب اتخاذ مواقف صريحة تجاه التوترات المتصاعدة بين الطرفين، كما ظهر في امتناع المسؤولين الإسرائيليين عن التعليق على التطورات الأخيرة في اليمن، رغم حساسيتها المباشرة للأمن الإسرائيلي.
اليمن والأطماع الإسرائيلية
تكتسب الساحة اليمنية أهمية خاصة في الحسابات الإسرائيلية، إذ تعتبر تل أبيب أن أي تغيير في موازين القوى على السواحل اليمنية ينعكس مباشرة على أمن البحر الأحمر، الذي تحوّل في السنوات الأخيرة إلى مسرح مركزي للأمن القومي الإسرائيلي، بفعل تهديدات الحوثيين، وتصاعد التنافس الإقليمي والدولي، وارتباطه المباشر بحركة الملاحة نحو إيلات وقناة السويس.
وتنظر تل أبيب بقلق إلى محاولات السعودية تقليص النفوذ الإماراتي في جنوب اليمن، حيث بنت أبوظبي شبكة نفوذ واسعة عبر دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، والسيطرة على موانئ استراتيجية من عدن إلى المخا وسقطرى.
فهذه الشبكة شكّلت، من المنظور الإسرائيلي، إحدى القنوات الأساسية للحضور الإسرائيلي غير المباشر في البحر الأحمر، سواء عبر التعاون الاستخباري أو الترتيبات الأمنية.
ويمتد هذا القلق الإسرائيلي إلى القرن الأفريقي، حيث ترى تل أبيب أن الإمارات تمثل حلقة الوصل الأهم في توسيع نفوذها في هذه المنطقة الحساسة.
وتُبرز تحليلات إسرائيلية أن الاعتراف الإسرائيلي بـ“أرض الصومال” يندرج ضمن رؤية استراتيجية تعتبر هذه المنطقة منصة متقدمة لمراقبة باب المندب، وتعزيز القدرة على مواجهة تهديدات الحوثيين، وهو مسار يتقاطع بشكل واضح مع المصالح الإماراتية التي تدير قاعدة عسكرية في بربرة.
التطبيع الإماراتي الإسرائيلي
في المقابل، تظهر داخل دولة الاحتلال مقاربات أكثر أيديولوجية تدعو إلى تعزيز التحالف مع الإمارات ومصر والأردن، على حساب الرهان على السعودية، انطلاقاً من مخاوف من تغيّر تموضع الرياض إقليمياً وانفتاحها على قوى لا تنسجم مع الرؤية الإسرائيلية.
غير أن هذا التوجه لا يحظى بإجماع داخل المؤسّسة الإسرائيلية، التي ما زالت ترى في السعودية لاعباً لا يمكن تجاهله.
وعليه تتعامل دولة الاحتلال مع تصدّع العلاقات السعودية–الإماراتية باعتباره حالة سيولة إقليمية تحمل مخاطر أكثر مما تحمل فرصاً.
فهي تضعف قابلية الإقليم للإدارة، وتربك قنوات النفوذ القائمة، وتفرض على تل أبيب موازنة دقيقة بين شريكين متنافسين، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تفضّل فيها إسرائيل بيئة منضبطة، وشركاء يمكن التنبؤ بسلوكهم، حتى وإن كانوا متنافرين في ما بينهم.




