القصة في ارقام

فضائح من داخل فتح.. أرقام وأسماء تكشف عمق الفساد في السلطة

خلال الفترة الأخيرة، تصاعدت وتيرة تداول قضايا الفساد في السلطة، بعدما خرجت هذه الملفات إلى العلن من داخل حركة فتح نفسها، عبر تسريبات وشهادات ووقائع كشفت جانباً من إدارة المال العام وبيع الأملاك واستغلال النفوذ.

واللافت أن هذه القضايا لم تأتِ من خصوم سياسيين، بل من داخل البيت الواحد، ما حوّلها إلى فضائح ثقيلة بالأسماء والأرقام، وفتح أسئلة حول حدود المحاسبة ومن يحتمي بالسلطة ومن يُقدَّم ككبش فداء، وحول مصير الأموال العامة، وملفات الفساد التي ظلت لسنوات خارج أي مساءلة فعلية.

ملفات الفساد في السلطة

في واحدة من أثقل هذه القضايا، يبرز اسم نظمي مهنا، الذي فرّ إلى ألبانيا عقب افتضاح شبهات ثقيلة حول تورطه في قضايا فساد، أبرزها تسريب أراضٍ وقطع أثرية، وسط غطاء من شخصيات أمنية نافذة، بينها رياض فرج شقيق رئيس جهاز المخابرات ماجد فرج.

وبحسب ما جرى تداوله، عثرت الأجهزة المختصة داخل منزل مهنا على 67 جهاز آيفون، و220 ألف شيكل نقدًا، و37 ألف دولار، و117 ألف يورو، إضافة إلى 137 علبة عطر فاخرة، و13 سجادة عجمية، و244 ساعة فاخرة رجالية ونسائية، و13 مقص ذهب عيار 24، و400 أونصة ذهب بما يعادل نحو 12.4 كيلوغرام، و9 قطع أثرية نادرة، و37 علبة سجائر كوبي فاخرة من نوع “كوهيبا”، وطقم مجوهرات من البلاتين الأسود، وخمس كراتين كافيار تحتوي كل كرتونة على 120 علبة بوزن 50 غرامًا، إلى جانب 7 خواتم ألماس، و77 كرتونة مشروبات روحية ونبيذ معتّق.

وفي ملف آخر، أُطيح بوزير النقل والمواصلات في السلطة طارق زعرب، وجرى اعتقاله على خلفية تهم اختلاس، في خطوة وُصفت بأنها إجراء شكلي للتغطية على سلسلة شبهات فساد مالي وإداري تراكمت خلال عامين من الحرب، في ظل غياب أي كشف رسمي شامل يوضح للرأي العام حجم الأموال المنهوبة أو الجهات الأخرى المتورطة.

وجاءت هذه الخطوة في ظل حديث عن تحقيقات جنائية وشبهات فساد مالي بحقه، بينما تواصلت الانتقادات لحكومة السلطة التي يتقاضى رئيسها راتبًا شهريًا يُقدّر بـ55 ألف دولار عبر صندوق الاستثمار، في وقت يعيش فيه الشعب أوضاعًا اقتصادية خانقة.

فساد مالي داخل السلطة

أما ملف بيع الأملاك، فقد شكّل واحدة من أخطر القضايا المالية المرتبطة بأملاك منظمة التحرير الفلسطينية خارج البلاد، وتحديدًا في لبنان.

وبحسب ما كُشف، جرى بيع عقار تابع لمنظمة التحرير تحت إشراف لجنة مختصة، إلا أن القضية تفجّرت بعد الكشف عن عرض مبلغ 500 ألف دولار على السفير الفلسطيني الأسبق في لبنان أشرف دبور من ثمن العقار، وهو ما اعتُبر تصرفًا غير قانوني يستوجب التحقيق.

وقد طرح دبور أسئلة علنية لم تلقَ أي إجابات رسمية حتى اللحظة، تتعلق بمصير كامل ثمن العقار، وما إذا كانت قيمة البيع قد دخلت بالكامل إلى خزينة منظمة التحرير، ومن هي الجهة التي سمحت بالتصرف بجزء من الأموال.

وفي خلفية هذا الملف، برز اسم ياسر عباس، ما عزز الشكوك حول وجود شبكة مصالح تتحكم بإدارة أملاك منظمة التحرير في الخارج، في ظل غياب أي إعلان رسمي يوضح مسار الأموال أو نتائج تحقيق شفافة للرأي العام.

فساد السلطة

ويبرز في هذا السياق اسم محمد اشتية، الذي وُصف بأنه الذراع الاقتصادي لرجال السلطة، ووفق ما كشفه قيادي فتحاوي فإن اشتية، الذي ترأس المجلس الاقتصادي لمؤسسة “بكدار” منذ عام 2003، وُجهت له اتهامات رسمية بإخفاء أموال دعم أوروبي تُقدّر بـ2.5 مليار دولار.

كما وُجهت له اتهامات من النائب العام خلال توليه وزارة الأشغال العامة، تتعلق بإهدار المال العام وصرف مستحقات دون مستندات رسمية، ومنح مبالغ ومكافآت مالية غير مدرجة في الكشوفات، إضافة إلى تنفيذ مشاريع شخصية، من بينها مدرسة على مساحة 15 دونمًا ومستشفى للعيون، بأموال وُصفت بأنها مجهولة المصدر.

وتشير المعلومات إلى وجود حسابات بنكية مرتبطة باشتية في بريطانيا وسويسرا بقيمة تُقدّر بـ60 مليون يورو، بحسب تقارير الرقابة المالية والإدارية للسلطة خلال الفترة من 2011 حتى 2021، بما في ذلك خروقات تتعلق بصندوق المساعدات خلال جائحة كورونا.

كما وُجهت له اتهامات بالمشاركة في بيع عقارات لحركة فتح في أوروبا لصالح أبناء محمود عباس، والمشاركة في مفاوضات لتصفية أملاك منظمة التحرير في لبنان وأوروبا.

ومن أبرز الملفات المرتبطة به أيضًا مشروع مستشفى خالد الحسن للسرطان، الذي لم يُستكمل رغم تخصيص ميزانية بلغت 12 مليون دولار و10 ملايين شيكل، في حين جرى دفع 2 مليون و47 ألف دولار لإعداد التصاميم عبر منصته الاقتصادية دون إنجاز المشروع.

وفي السياق ذاته، طُرحت من داخل حركة فتح اتهامات تتعلق بفساد مالي منسوب إلى حسين الشيخ، شملت المتاجرة بتصاريح العمال للعمل داخل الأراضي المحتلة، والاتجار ببطاقات BMC المخصصة لكبار التجار، وهي ملفات ارتبطت باستغلال النفوذ وتحويل العلاقة مع الاحتلال إلى مورد مالي، وفق ما جرى تداوله داخل الأطر التنظيمية الفتحاوية نفسها.

ومجمل هذه القضايا، التي خرجت تفاصيلها من داخل حركة فتح، تكشف صورة متراكمة لفساد مالي منظم، تتقاطع فيه الأموال العامة مع النفوذ السياسي والأمني، في ظل غياب محاسبة حقيقية وشفافية واضحة.

وبينما تتوالى الفضائح بالأرقام والأسماء، يبقى السؤال مفتوحًا حول مصير هذه الملفات، ومن يحمي المتورطين، ولماذا لم تُعرض حتى اليوم نتائج تحقيق نهائية تضع الرأي العام الفلسطيني أمام الحقيقة كاملة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى