تناقض فتح الصارخ: تبرئة الاحتلال وتحميل المقاومة مسؤولية تدمير الضفة

أثارت تغريدة للناطق باسم حركة فتح وعضو مجلسها الثوري جمال نزال، موجة غضب واسعة في الشارع الفلسطيني وعلى منصات التواصل الاجتماعي، بعد أن قدّم فيها رواية تُحمّل فصائل المقاومة، وعلى رأسها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، مسؤولية تدمير الضفة الغربية، في تبريرٍ اعتبره كثيرون انقلابًا كاملًا على الواقع ومحاولة فجة لتبرئة الاحتلال من جرائمه اليومية.
وتنطلق تغريدة نزال من فرضية مركزية مفادها أن “تدمير الضفة الغربية” يخدم مصالح أطراف عدة، عدّدها نزال صراحة: الجهاد الإسلامي، جماعة الإخوان المسلمين، إيران، إسرائيل، و”مقاولون يبحثون عن عبثية استعراضية”.
ويزعم نزال أن هذه الأطراف، كلٌّ لأسبابه، تشترك في هدف واحد هو إشعال الضفة الغربية، بما يحقق مكاسب سياسية أو أمنية أو أيديولوجية.
وأهم محاور نص جمال نزال في تغريدته: الادعاء بوجود “مصلحة مشتركة” بين المقاومة ودولة الاحتلال في تدمير الضفة مع تصوير المقاومة، وخصوصًا حماس والجهاد، كقوى تسعى إلى نقل سيناريو غزة إلى الضفة، الزعم بأن إشعال الضفة يخدم دولة الاحتلال لأنها “تستفيد من أهداف معلومة” مع الإيحاء بأن السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني هما “الخاسران” الوحيدان.
وتشكل هذه المحاور انقلابًا أخلاقيًا خطيرًا، إذ تساوي بين الجلاد والضحية، وتُخرج الاحتلال من موقعه الطبيعي كفاعل رئيسي في كل ما يجري في الضفة الغربية.
بيع أوهام وتزييف واقع
يواصل جمال نزال، بيع الأوهام للرأي العام، حين يروّج لفكرة أن مصلحة حماس والجهاد هي “تدمير الضفة”، في وقت يحاول فيه إقناع الناس بأن الوضع في الضفة “هادئ ومستقر” لولا “المقاومة” في تجاهل متعمد للواقع اليومي الذي يعيشه الفلسطينيون تحت الاحتلال.
ففي الوقت الذي يتحدث فيه نزال عن “الاستقرار”، لم يترك المستوطنون قطعة أرض إلا وأحرقوها أو اعتدوا عليها. الاستيطان يتوسع يوميًا، والاعتداءات على القرى والبلدات الفلسطينية باتت مشهدًا روتينيًا. الحواجز والبوابات العسكرية تخنق كل شارع ومفترق طرق، والاعتقالات اليومية لا تتوقف، وكذلك هدم البيوت والقتل شبه اليومي.
وتشهد مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس عمليات عسكرية متواصلة، وأهلها مهجّرون قسرًا، ومناطق كاملة تخضع لاحتلال فعلي وإعادة تشكيل ديمغرافي وأمني على الأرض. كل ذلك يحدث بلا علاقة مباشرة بأي “قرار مقاومة” كما يحاول نزال الإيحاء، بل هو جزء من سياسة إسرائيلية ممنهجة.
الاحتلال لا يحتاج ذريعة
الطرح الذي يقدّمه نزال يقوم على فرضية خطيرة: أن الاحتلال يحتاج إلى “ذريعة” ليقتل ويدمّر ويهجّر. لكن التجربة الفلسطينية الممتدة لعقود تثبت العكس تمامًا. الاحتلال، كما يقول المنتقدون بوضوح، لا يحتاج إلى أي ذريعة. هو مشروع استعماري قائم بذاته، يمارس القتل والتدمير والتهجير لأنه يريد ذلك، لا لأنه “استُفزّ”.
والمختصر، كما يراه الشارع الغاضب من هذا الخطاب، أن المطلوب من الفلسطيني – وفق رواية نزال – أن يرى كل هذا الخراب، ويسكت، ويقبل به، وألا يقاوم حتى بأبسط الوسائل. المطلوب هو “الهدوء” تحت الاحتلال، ولو كان ثمنه الأرض والكرامة والإنسان.
وفي ختام الردود الغاضبة، يذهب بعض المنتقدين إلى حد القول إن هذا الخطاب يعكس انفصالًا أخلاقيًا وسياسيًا عميقًا لدى جزء من قيادة فتح، وصلت إلى مرحلة تبرير الجريمة بدل مواجهتها، والاصطفاف عمليًا – ولو خطابًا – إلى جانب الاحتلال ضد شعبها.
وبالنسبة للمتابعين فإن المشكلة لم تعد في اختلاف الرؤى السياسية، بل في تزييف الواقع، وتقديم الاحتلال كطرف ثانوي، بينما تُصوَّر المقاومة كخطر وجودي، في مشهد يعكس عمق الأزمة التي تعيشها الساحة الفلسطينية اليوم.






