تحايل عباس وفريقه بملهاة إعداد دستور فلسطيني جديد

يجمع مراقبون على التحذير من أن الانشغال بإعداد دستور فلسطيني جديد والدعوة إلى انتخابات لمنظمة التحرير في الظروف الراهنة يشكّل حرفاً خطيراً للأنظار عن الأخطار الوجودية المتفاقمة التي تواجه القضية الفلسطينية.
وبحسب هؤلاء فإن قيادة سلطة رام الله تتحايل عبر خطوات شكلية من أجل تسهيل تجاوز الحقوق والمؤسسات، وإضعاف منظمة التحرير وتعميق الانقسام، ما يزيد من عزوف الشارع واتساع الهوة بين القيادة والشعب في وقت تتعقد فيه شروط الحياة الإنسانية للفلسطينيين إلى مستويات غير مسبوقة.
ويبرز مدير مركز مسارات للأبحاث والدراسات في رام الهل هاني المصري، أن مظاهر تجسيد القضية الفلسطينية وأشكالها المختلفة تتعرّض اليوم لأخطار وجودية حقيقية تهدّد باندثارها، في ظل تسارع مصادرة الأراضي وتوسيع الاستيطان وفرض الضم، إلى جانب تعرّض الشعب الفلسطيني لعمليات إبادة وتهجير وتمييز وفصل عنصري.
ويشير المصري إلى أن الفلسطينيين يُعزلون قسراً في معازل منفصلة عن بعضها بعضاً عبر الحواجز والبوابات والطرق الالتفافية والمناطق العسكرية والمستوطنات، بينما تتعرض الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها حق العودة وتقرير المصير، لمحاولات تصفية ممنهجة.
ويشدد على أن الخطر لا يقتصر على الأرض والحقوق، بل يمتد إلى تقويض البنية التمثيلية الفلسطينية نفسها، حيث سلطة رام الله تتعرض للإضعاف، وتُجمد منظمة التحرير بأيد فلسطينية، ويجري إضعاف المجلسين الوطني والمركزي عبر الهيمنة والتفرد والإقصاء، وعدم عقد اجتماعات لهما رغم حرب الإبادة المستمرة، مع تهميش واضح للجنة التنفيذية للمنظمة.
منظمة التحرير ويكيبيديا
يؤكد المصري أن “خشبة الخلاص” الممكنة تكمن في إحياء منظمة التحرير وإعادة بنائها على أسس جامعة، عبر ضم مختلف القوى والألوان السياسية والاجتماعية إليها، وصياغة ميثاق وطني جديد يحفظ وحدة القضية والأرض والشعب، ويجسّد الحقوق والأهداف الأساسية، وأشكال المقاومة الرئيسة، والقيم والسردية الوطنية الفلسطينية.
وينبه إلى أن هذا المسار هو البديل الواقعي عن محاولات القفز فوق الواقع عبر مشاريع دستورية وانتخابية معزولة عن شروط الصراع مع الاحتلال.
وفي هذا السياق، يشدد المصري على أن وضع دستور فلسطيني في الظروف الحالية، أو تحديد موعد لانتخابات المجلس الوطني، أمر غير قابل للتطبيق، خصوصاً في ظل الشرط الإقصائي الذي يسعى إلى فرض الولاء لبرنامج واحد بشكل انفرادي.
كما يؤكد أن الدستور بطبيعته يجب أن يكون محل إجماع أو توافق وطني واسع جداً، وأن يكون له حامل سياسي فعلي، وهو ما لا يمكن أن يتوافر إلا بعد إعادة بناء وتجديد وإصلاح الحركة الوطنية الفلسطينية، متسائلا من سيحمل الدستور في ظل هذا الخراب الشامل؟.
الدعوة لانتخابات فلسطينية مجزأة
ينتقد المصري بشدة الدعوات إلى إجراء انتخابات محلية والقفز عن الانتخابات الرئاسية والتشريعية، محذّراً من أن هذا التوجه يصب، بقصد أو من دونه، في طاحونة اختزال القضية الفلسطينية إلى مسألة إنسانية بحتة، والتعامل مع الشعب الفلسطيني كسكان وأفراد ذوي احتياجات خدمية فقط، من دون حقوق سياسية أو مؤسسات تمثيلية جامعة.
وينبه إلى أن هذا المسار قد يفتح الباب أمام حلول تستبدل الممثل الشرعي والوحيد بمجالس محلية تؤدي دوراً خدمياً محدوداً، على غرار الطروحات التكنوقراطية في غزة، في علاقة “إدارة” مع الاحتلال، لا علاقة مواجهة سياسية معه.
ويتساءل المصري عن جدوى دستور فلسطيني لا يتطرق إلى السردية التاريخية، ولا يحدد حدود الدولة، ولا يحفظ الحق في المقاومة المقر حتى في القانون الدولي، ويخضع لمحددات ووقائع ميزان القوى الراهن المتدهور.
كما يحذر من مخاطر دستور يمنح صلاحيات واسعة للرئيس ويحدد ملامح الخلافة بصورة أحادية، بعد تجربة سياسية فلسطينية اتسمت، بإشكاليات عميقة في الحوكمة والديمقراطية وفصل السلطات واحترام سيادة القانون وحقوق الإنسان.
ويشدد على أن مواجهة هذه الأخطار الوجودية لا يمكن أن تتم إلا عبر حوار وطني شامل، تكون مهمته الأساسية وضع خطة وطنية متكاملة للصمود والبقاء، لحماية القضية والشعب والمؤسسات أولاً، ومواجهة المخططات المعادية وإحباطها ثانياً.





