معالجات اخبارية

اعتقال عمر عساف في رام الله.. تصعيد أمني يوسع دائرة استهداف النشطاء في الضفة

اعتقلت أجهزة أمن السلطة الفلسطينية الليلة الماضية، الناشط الحقوقي البارز عمر عساف من منزله في مدينة رام الله وسط الضفة الغربية المحتلة، في خطوة تعكس تصعيدًا متواصلاً في ملاحقة الأصوات المعارضة.

ويندرج اعتقال عسّاف ضمن سياق متكرر من الإجراءات الأمنية التي تستهدف شخصيات سياسية وحقوقية تنتقد أداء السلطة، خاصة في ما يتعلق بملف التنسيق الأمني ونهج التسوية.

ويُعرف عسّاف بمواقفه العلنية الداعمة لخيار المقاومة، ورفضه المستمر للسياسات الرسمية التي يعتبرها مقيّدة للفعل الوطني، ما جعله أحد أبرز الوجوه المنتقدة داخل الضفة الغربية.

ويأتي هذا الاعتقال بعد أقل من عام على توقيف عساف في 2024، حين شارك في اعتصام أمام مقر جهاز المخابرات في مدينة البيرة، للمطالبة بالإفراج عن نشطاء تم اعتقالهم على خلفية مشاركتهم في فعاليات داعمة لقطاع غزة.

وتعكس هذه الحادثة استمرارية النهج الأمني القمعي في التعامل مع الحراك الشعبي، حيث تتكرر الاعتقالات بحق ناشطين شاركوا في فعاليات تضامنية أو عبروا عن مواقف سياسية مخالفة.

وتصف جهات حقوقية اعتقال عسّاف بأنه حلقة جديدة في سياسة “الاعتقال السياسي”، التي تستهدف تقييد حرية التعبير ومنع تشكل حراك معارض داخل الضفة الغربية لا سيما عشية إجراء الانتخابات البلدية.

ويشير مراقبون إلى أن ملاحقة شخصيات معروفة مثل عمر عسّاف تحمل رسائل ردع واضحة، تستهدف الحد من توسع دائرة المعارضة السياسية والشعبية في ظل العزلة السياسية والشعبية التي تعانيها سلطة رام الله.

أمن السلطة أداة قمع داخلي

وجهت منظمة هيومن رايتس ووتش الدولية في تقريرها السنوي الذي نشرته قبل أسابيع عن وضع حقوق الإنسان حول العام خلال عام 2025، انتقادات حادة إلى  أجهزة السلطة الفلسطينية بتأكيدها أنها تحولت إلى أداة قمع داخلي.

وأبرزت المنظمة أن انتهاكات السلطة اتخذت خلال العام 2025 طابعًا منهجيًا يشي بسياسة قمعية متكاملة تستهدف المعارضين والمنتقدين، وتُضيّق على الحريات العامة، وتُكرّس الإفلات من العقاب.

ونبهت إلى أنه بينما يعيش الفلسطينيون تحت احتلال إسرائيلي دموي، اختارت السلطة أن تُدير ظهرها لمطالب المجتمع بالحرية والكرامة، وأن تُوجّه أدواتها الأمنية نحو الداخل.

وووثقت المنظمة تصعيد واضح في الاعتقالات التعسفية والتعذيب في محافظات الضفة الغربية.

فخلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025، تلقت اللجنة المستقلة لحقوق الإنسان—وهي جهة رقابية رسمية—356 شكوى تتعلق بالاعتقال التعسفي، شملت الاحتجاز دون محاكمة أو حتى توجيه تهمة، إلى جانب 79 شكوى حول التعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز لدى أجهزة السلطة.

وبحسب المنظمة فإن هذه الأرقام تكشف عجز منظومة المساءلة، إذ نادرًا ما يُحاسَب المسؤولون، وتبقى الشكاوى حبيسة الأدراج.

وقد بلغ القمع ذروته مع العمليات الأمنية التي نفذتها السلطة في مخيم جنين للاجئين، والتي بدأت في 5 ديسمبر/كانون الأول واستمرت خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من يناير/كانون الثاني.

وبحسب المنظمة فإن العمليات الأمنية لم تقتصر على ملاحقة مطلوبين، بل أدّت إلى مقتل سكان وتعريض حياة آخرين للخطر، وفرض قيود خانقة على الوصول إلى الغذاء والمياه والكهرباء، وإلحاق أضرار بالمنازل، وتنفيذ موجات اعتقال واسعة.

وفي مخيم يعاني أصلًا من الاقتحامات الإسرائيلية المتكررة، بدا المشهد وكأن السلطة تضيف عبئًا جديدًا على كاهل المدنيين بدل حمايتهم.

خنق الإعلام في الضفة الغربية

لم تتوقف الانتهاكات عند حدود الأمن. ففي يناير/كانون الثاني، علّقت السلطة الفلسطينية بث قناة الجزيرة في الأراضي المحتلة، وقيّدت محكمة فلسطينية الوصول إلى مواقعها الإلكترونية.

وجاء ذلك بالتوازي مع تمديد السلطات الإسرائيلية أوامر الإغلاق ضد القناة في الضفة الغربية.

واعتبرت المنظمة أن هذا التلاقي في استهداف الإعلام يثير تساؤلات خطيرة حول استقلال القرار الفلسطيني، ويؤكد أن حرية الصحافة باتت ضحية سهلة في معادلة السلطة والأمن.

وتستند الاعتقالات غالبًا إلى نصوص قانونية فضفاضة تُستخدم لتجريم الرأي والتعبير، بينما يفتقر المحتجزون إلى ضمانات المحاكمة العادلة. وفي الوقت ذاته، لم يطرأ أي إصلاح يُذكر على قوانين الأحوال الشخصية للمسلمين والمسيحيين، التي ما زالت تميّز ضد النساء وتقيّد حقوقهن في الزواج والطلاق والحضانة.

ويعكس هذا الجمود التشريعي غياب الإرادة السياسية لإصلاح حقيقي، ويؤكد أن خطاب “بناء الدولة” لا يتجاوز الشعارات.

واللافت أن هذه الانتهاكات تجري في ظل غياب شبه تام للمساءلة. فالأجهزة الأمنية التي تُتهم بالتعذيب والاعتقال التعسفي لا تخضع لتحقيقات شفافة، ولا تُعلن نتائج محاسبة تُذكر. ومع تكرار الشكاوى، يتعزز شعور عام بأن السلطة تحمي نفسها بدل حماية المواطنين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى