مكافحة الفساد في السلطة الفلسطينية شماعة للتغطية على المنظومة الحاكمة

يتصاعد الجدل داخل الساحة الفلسطينية حول جدية شعارات “مكافحة الفساد” التي ترفعها سلطة رام الله، في ظل تأكيدات من مراقبين ومنظمات مختصة بأن هذه الحملة لا تتجاوز كونها أداة سياسية لتغطية اختلالات عميقة داخل المنظومة الحاكمة.
إذ أن واقع “مكافحة الفساد” في السلطة الفلسطينية يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي نفسه، بحيث تتحول أدوات المحاسبة إلى أدوات صراع، وتُستخدم الشعارات الإصلاحية كغطاء لإدارة التوازنات الداخلية.
وتعكس الوقائع المتكررة أن فتح ملفات الفساد لا يتم وفق استراتيجية مؤسساتية واضحة أو آليات رقابة مستقلة، بل يخضع في كثير من الأحيان لحسابات سياسية داخلية وصراعات نفوذ بين مراكز القوى وهو ما يضعف ثقة الشارع الفلسطيني بأي خطاب رسمي يتحدث عن محاسبة أو إصلاح.
ويبرز الباحث السياسي جهاد حرب، أن الكشف عن قضايا الفساد داخل السلطة الفلسطينية لا يأتي نتيجة عمل رقابي منهجي، بل غالباً ما يحدث عندما تصل القضية إلى مستوى لا يمكن إخفاؤه، أو عندما يتم تسريبها إلى الإعلام، أو تحت ضغط شعبي متزايد.
ويوضح حرب أن هذه الحالات تكشف طبيعة النظام السياسي، حيث تتحول ملفات الفساد إلى أدوات ضغط أو تصفية حسابات، بدلاً من أن تكون مدخلاً لإصلاح حقيقي قائم على سيادة القانون.
في هذا السياق، تظهر نمطية واضحة في التعامل مع هذه القضايا، إذ يتم فتح ملفات محددة في لحظات سياسية معينة، ثم يجري احتواؤها أو إغلاقها لاحقاً عبر تسويات داخلية، دون الوصول إلى محاسبة فعلية أو شفافة.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
يعكس نهج سلطة رام الله غياب الإرادة السياسية لمواجهة الفساد كظاهرة بنيوية، ويؤكد أن ما يجري هو إدارة للأزمة وليس معالجة لها، حيث يتم التعامل مع الفساد كملف قابل للتوظيف السياسي، وليس كقضية تستدعي إصلاحاً شاملاً.
ويرى مراقبون أن استخدام شعار مكافحة الفساد بهذه الطريقة يعزز من حالة فقدان الثقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية، خاصة في ظل تكرار نفس السيناريوهات دون نتائج ملموسة.
فبدلاً من بناء منظومة رقابة مستقلة، تعتمد السلطة على ردود فعل ظرفية، تتحرك فقط عندما تتصاعد الضغوط أو تتفجر الأزمات، وهو ما يخلق انطباعاً عاماً بأن مكافحة الفساد انتقائية وليست شاملة.
كما أن غياب الشفافية في عرض نتائج التحقيقات أو محاسبة المسؤولين يكرس حالة من الغموض، ويغذي الشكوك حول جدية الإجراءات المتخذة، خاصة عندما تنتهي بعض القضايا دون توضيح مصيرها أو الجهات المتورطة فيها.
الفساد جزء من بنية سلطة رام الله
يشير تحليل المشهد إلى أن الفساد في هذا السياق أصبح جزءاً من بنية نظام السلطة الفلسطينية، ما يجعل مكافحته تتطلب إصلاحات عميقة تتجاوز الإجراءات الشكلية.
لكن الواقع الحالي يظهر أن هذه الإصلاحات غير مطروحة بشكل جدي، في ظل استمرار نفس الآليات ونفس مراكز النفوذ التي تتحكم في إدارة الملفات.
ويؤكد حرب أن فتح بعض القضايا بدوافع شخصية أو ضمن صراعات داخلية، ثم إغلاقها لاحقاً، يرسخ قناعة لدى الشارع بأن ما يجري ليس سوى إعادة توزيع للنفوذ، وليس محاسبة حقيقية للفاسدين.
وينعكس هذا الإدراك الشعبي في تراجع الثقة بالمؤسسات، ويزيد من حالة الإحباط، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون، والتي تجعل أي حديث عن الفساد أكثر حساسية وتأثيراً.
في المقابل، تستمر سلطة رام الله في الترويج لخطاب الإصلاح، دون أن يقترن ذلك بإجراءات ملموسة تعيد بناء الثقة أو تثبت جدية التوجه نحو التغيير.





