تحليلات واراء

انتخابات البلديات تفضح واقع التمرد الداخلي المتزايد داخل فتح

تفضح انتخابات الهيئات المحلية البلديات التي تجري اليوم السبت، واقع التمرد الداخلي المتزايد داخل حركة فتح في ظل خوض عدد من المرشحين الانتخابات خارج الأطر الرسمية، في تعبير عن صراعات أعمق داخل الحركة قد تمتد إلى مستويات قيادية عليا.

ويرى مراقبون أن هذا المشهد يعكس انتقال الصراع الفتحاوي من الإطار التنظيمي، إلى تشكيل نوى نفوذ اجتماعية واقتصادية جديدة، قد تلعب دوراً في إعادة تشكيل المشهد المحلي مستقبلاً، سواء داخل الحركة أو على مستوى البنية المجتمعية.

وتسيطر القوائم ذات اللون السياسي الواحد التي تتبع حركة فتح، في ظل مقاطعة من حركة حماس والجبهتين الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين على وجه الخصوص، لكنها في المقابل تكشف عن انقسام داخلي حاد داخل فتح نفسها، حيث تحوّلت المنافسة من صراع بين فصائل إلى صراع داخل الفصيل الواحد.

هيمنة فتح على المشهد الانتخابي

تُظهر البيانات الرسمية أن القوائم المحسوبة على فتح تهيمن على المشهد الانتخابي، سواء بشكل مباشر أو عبر قوائم “مستقلة” مدعومة تنظيمياً أو عائلياً، في وقت تشير فيه سجلات لجنة الانتخابات إلى أن نحو 87% من القوائم المتنافسة تحمل طابعاً مستقلاً، مقابل 13% فقط ذات صبغة حزبية واضحة. غير أن هذا “الاستقلال” يخفي في كثير من الأحيان انتماءات تنظيمية غير معلنة.

وتتجلى أزمة الحركة بشكل أوضح في ظاهرة الترشح خارج الأطر الرسمية، حيث خاض عدد من كوادر فتح الانتخابات بقوائم موازية، في تحدٍ مباشر لقرارات القيادة، ما يعكس تآكلاً في الانضباط التنظيمي، ويؤشر إلى صراع أعمق على مراكز النفوذ المحلية.

ويمتد هذا التمرد إلى مستويات قيادية، في ظل تنافس بين أجنحة داخل الحركة على تشكيل القوائم والتحكم في المجالس المحلية، التي باتت تُنظر إليها كأدوات نفوذ سياسي واقتصادي في ظل غياب أفق سياسي شامل.

وتتزامن هذه التطورات مع تراجع واضح في الحيوية الديمقراطية، حيث شهدت عدة مدن رئيسية مثل رام الله ونابلس فوز قوائم بالتزكية دون إجراء انتخابات، ما رفع نسبة التزكية إلى نحو 60% مقارنة بـ50% في الانتخابات السابقة، في مؤشر على ضعف التنافس الحقيقي.

وفي مدينة قلقيلية، لم تُقدّم أي قائمة انتخابية، ما اضطر وزارة الحكم المحلي إلى التوجه نحو تعيين مجلس بلدي، في خطوة تعكس حجم العزوف الشعبي والسياسي عن المشاركة، وتطرح تساؤلات حول شرعية المجالس المحلية المقبلة.

شبكات نفوذ محلية تتصارع داخل فتح

يرى مراقبون أن هذا المشهد يعكس انتقال الصراع داخل فتح من الإطار التنظيمي التقليدي إلى تشكيل شبكات نفوذ محلية قائمة على العائلات والمصالح الاقتصادية، ما قد يعيد رسم الخريطة الاجتماعية والسياسية في العديد من المناطق.

في هذا السياق، يحذر محللون من أن الحركة قد تواجه سيناريو غير مسبوق، يتمثل في خسارتها لصالح قوائم محسوبة عليها تنظيمياً لكنها خارجة عن السيطرة الرسمية، ما قد يضعف شرعية القيادة ويقوّض قدرتها على إدارة المشهد الداخلي.

وتكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة في ظل غياب قوى سياسية رئيسية عن المنافسة، ما يجعلها اختباراً داخلياً لفتح أكثر من كونها استحقاقاً ديمقراطياً تقليدياً. ويذهب بعض المحللين إلى اعتبارها “انتخابات داخلية غير معلنة” للحركة، تُحدد موازين القوى بين أجنحتها المختلفة.

وتترافق هذه الأزمة مع جدل قانوني واسع حول التعديلات الأخيرة على قانون الانتخابات، خاصة شرط الإقرار بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، والذي اعتبره منتقدون قيداً سياسياً يحد من التعددية ويقوض فرص المنافسة.

وأدى هذا الشرط إلى تقديم طعون قانونية، كما ساهم في تقليص عدد القوائم المنافسة، ما عزز من ظاهرة التزكية وأضعف التنافس الانتخابي، وفق تقديرات مراقبين.

ويحذر خبراء في الشأن الانتخابي من أن التوسع في مبدأ التزكية يقوّض جوهر العملية الديمقراطية، إذ يحرم المواطنين من حقهم في اختيار ممثليهم، ويُنتج مجالس محلية تفتقر إلى التفويض الشعبي الحقيقي.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى