تحليلات واراء

انتخابات مفصلة على مقاس السلطة: سياسات عباس تعمق الإقصاء وتسحق الديمقراطية

تواجه دعوة السلطة الفلسطينية لإجراء انتخابات الهيئات المحلية في الضفة الغربية موجة رفض واسعة من قوى سياسية وشخصيات مستقلة، في ظل إدانة سياسات محمود عباس التي تعمق الإقصاء وتتسبب بتفريغ العملية الديمقراطية من مضمونها وتحويلها إلى أداة للإقصاء السياسي.

وتؤكد مواقف الفصائل أن التعديلات الأخيرة على قانون انتخابات الحكم المحلي لعام 2025 تمثل انحرافاً خطيراً عن أسس التعددية، بعدما فرضت شروطاً سياسية غير مسبوقة على المرشحين، أبرزها إلزامهم بالاعتراف ببرنامج منظمة التحرير والتزاماتها الدولية.

ويُنظر إلى هذا الشرط باعتباره أداة إقصاء مباشر تستهدف استبعاد قوى سياسية وفئات مجتمعية من حقها في الترشح، ما يضرب جوهر العملية الديمقراطية القائم على التنافس الحر بين البرامج والرؤى المختلفة.

وتعكس هذه الخطوة توجهاً واضحاً لدى سلطة رام الله لإعادة تشكيل المشهد المحلي بما يضمن السيطرة على المجالس البلدية، بعيداً عن أي منافسة حقيقية قد تفرز قوى معارضة.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

تبرز خطورة هذه التعديلات في توقيتها، حيث تأتي في ظل غياب الانتخابات العامة للرئاسة والمجلس التشريعي والمجلس الوطني، ما يجعل الانتخابات المحلية الإطار الوحيد المتاح للمشاركة السياسية، قبل أن يتم تقييده بشروط إقصائية.

وتؤكد قوى ديمقراطية فلسطينية أن فرض التزامات سياسية على المرشحين يتعارض مع المعايير الدولية للانتخابات الحرة، ويخالف العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، إضافة إلى تعارضه مع القانون الأساسي ووثيقة الاستقلال.

وتوضح هذه القوى أن الالتزام بالحقوق الوطنية الفلسطينية جزء من البرنامج السياسي العام، لكن تحويله إلى شرط قانوني للترشح يفتح الباب أمام استبعاد أي صوت مخالف، ويحوّل الانتخابات إلى عملية شكلية خاضعة للرقابة السياسية.

وتنتقد الفصائل تمرير هذه التعديلات بشكل انفرادي، دون توافق وطني أو نقاش مؤسسي، في ظل غياب المجلس التشريعي، ما يعكس، بحسب توصيفها، نهجاً متكرراً في اتخاذ قرارات مصيرية خارج الأطر الديمقراطية.

أزمة النظام السياسي الفلسطيني

يؤكد محللون أن سياسات سلطة رام الله لا تعزز المشاركة الشعبية، بل تزيد من حالة العزوف وفقدان الثقة، وتعمّق أزمة النظام السياسي الفلسطيني الذي يعاني أصلاً من ضعف التمثيل وتآكل الشرعية.

ويذهب المحللون إلى أن المجالس المحلية، في ظل هذا السياق، قد تتحول إلى هياكل إدارية لإدارة السكان فقط، بدلاً من أن تكون مؤسسات تمثيلية تعكس إرادة المجتمع، ما يعني عملياً فصل الإدارة المحلية عن المشروع الوطني.

ويحذر هؤلاء من أن هذا التحول ينسجم مع توجهات تسعى إلى تفكيك البنية السياسية الفلسطينية، وتحويلها إلى كيانات خدمية منفصلة عن القضية الوطنية، في وقت تتصاعد فيه التحديات المرتبطة بالاحتلال.

وتشير المواقف الرافضة إلى أن الأولوية في هذه المرحلة يجب أن تكون لمواجهة المخططات التي تستهدف الأرض والحقوق والمؤسسات، وليس الانشغال بانتخابات محدودة لا يمكن أن تجسد سيادة حقيقية في ظل الاحتلال.

ويعكس الإجماع الرافض للتعديلات اتساع الفجوة بين السلطة ومختلف القوى السياسية، حيث أعلنت عدة فصائل، إلى جانب مؤسسات حقوقية وأهلية، رفضها المشاركة في الانتخابات وفق القانون الجديد.

وترى هذه الجهات أن التعديلات قد تُستخدم كأداة لإقصاء المعارضين وإعادة هندسة المشهد السياسي، بما يكرّس الانقسام الداخلي ويضعف القدرة على مواجهة التحديات الوطنية.

وتحذر من أن نتائج هذه السياسات قد تخدم بشكل غير مباشر أهداف الاحتلال، عبر إضعاف التعددية السياسية وإعادة تشكيل النظام الفلسطيني بما يتوافق مع متطلبات السيطرة الإدارية لا التحرر الوطني.

ويخلص المشهد إلى أن استمرار نهج الإقصاء سيقود إلى مزيد من التآكل في شرعية المؤسسات، ويعزز حالة الانفصال بين السلطة والمجتمع، في وقت تحتاج فيه القضية الفلسطينية إلى توحيد الجهود لا تفكيكها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى