تحليلات واراء

فتح تكرس التفرد السياسي وإعادة إنتاج النظام القائم عوضا عن إصلاح منظمة التحرير

أثار النظام الانتخابي الجديد للمجلس الوطني الفلسطيني لعام 2026، الذي صادق عليه رئيس سلطة رام الله محمود عباس مؤخرا، جدلا واسعا بشأن مستقبل المؤسسة التمثيلية الفلسطينية، وسط انتقادات تتعلق بآلية إقراره ومخاوف من تكريس التفرد السياسي وإعادة إنتاج النظام القائم بدلا من فتح الباب أمام إصلاح شامل لمنظمة التحرير الفلسطينية.

وأعلنت الرئاسة قبل أيام المصادقة على النظام الجديد الذي يتضمن اعتماد التمثيل النسبي الكامل عبر القوائم الانتخابية، واعتبار الأراضي الفلسطينية دائرة انتخابية واحدة، مقابل اعتبار كل منطقة من مناطق وجود الفلسطينيين في الشتات دائرة مستقلة.

كما حدد النظام عدد أعضاء المجلس الوطني بـ350 عضوا، بينهم 200 عضو من الأراضي الفلسطينية و150 عضوا يمثلون الفلسطينيين في الخارج، إضافة إلى تنظيم العلاقة بين مجلس النواب الفلسطيني والمجلس الوطني على أساس ما وصف بأنه “التكامل الوظيفي والتنسيق المؤسسي”، مع الحفاظ على استقلالية كل مؤسسة واختصاصاتها.

لكن الإعلان عن النظام من دون نشر النص الكامل فتح باب الانتقادات بشأن غياب الشفافية في واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل النظام السياسي الفلسطيني، خصوصا أن المجلس الوطني يمثل أعلى هيئة تشريعية في منظمة التحرير الفلسطينية ويفترض أن يعكس التمثيل الشامل للفلسطينيين في الداخل والخارج.

منظمة التحرير الفلسطينية ويكيبيديا

قال الباحث السياسي جهاد حرب إن عدم إرفاق إعلان المصادقة بنص النظام الانتخابي يحول دون معرفة التفاصيل الحقيقية للإجراءات، مشيرا إلى أن “الشيطان يكمن في التفاصيل”، وأن المسودات المسربة تكشف وجود إشكاليات جوهرية تحتاج إلى نقاش وفحص معمق.

وتتركز أبرز الانتقادات على أن النظام الجديد جاء نتيجة مسار مغلق إلى حد كبير، رغم أن اللجنة المكلفة بإعداده عقدت على مدار نحو عام لقاءات مع قطاعات مختلفة للاستماع إلى الآراء، لكنها لم تقدم مسودة مكتوبة للنقاش العام قبل إقرار النظام.

ورأى حرب أن التعامل مع ملف بهذا الحجم عبر قرارات فوقية يعكس استمرار النهج القديم في إدارة المؤسسات الفلسطينية، حيث تحتفظ القيادة المتنفذة، وعلى رأسها حركة فتح، بالقدرة الأكبر على صياغة القواعد السياسية التي ستحدد شكل التمثيل المقبل.

ومن أبرز نقاط الجدل فرض شروط سياسية على المشاركة، إذ تشير المسودات المتداولة إلى ضرورة الالتزام ببرنامج منظمة التحرير والتزاماتها السياسية، وهو ما قد يؤدي، إلى إقصاء قوى فلسطينية واسعة وتحويل الانتخابات من أداة لإعادة بناء الشرعية إلى وسيلة لضبط نتائجها مسبقا.

وأكد حرب أن الالتزام ببرنامج المنظمة قد يكون مفهوما داخل إطار مؤسساتها باعتبارها جبهة وطنية، لكن تحويل هذا الشرط إلى قاعدة تتحكم بالمشاركة السياسية العامة يضرب مبدأ تكافؤ الفرص ويمنع قوى فلسطينية من المنافسة على أساس شعبي.

ويأتي ذلك وسط مخاوف من غياب قوى رئيسية عن العملية الانتخابية، ما قد يؤدي إلى مجلس لا يعكس الخريطة السياسية الفلسطينية الفعلية، بل يعيد إنتاج التوازنات القائمة داخل منظمة التحرير التي تهيمن عليها فتح منذ عقود.

أزمة التداخل بين السلطة ومنظمة التحرير

تبرز مشكلة أخرى تتعلق بتكليف مؤسسات مرتبطة بالسلطة الفلسطينية بإدارة مسار يتعلق بمنظمة التحرير، رغم أن المنظمة يفترض أنها المرجعية السياسية الأعلى للسلطة وليس العكس.

وأكد حرب أن هذا التداخل يعكس الأزمة التاريخية بين مؤسسات السلطة والمنظمة، والتي لم يعالجها النظام الجديد، بل أبقى حالة الازدواجية قائمة بين رئيس السلطة ورئيس المنظمة، وبين مؤسسات الدولة ودوائر منظمة التحرير.

وتطرح هذه الازدواجية أسئلة حول الجهة صاحبة القرار الأعلى في الملفات السياسية والمالية والدبلوماسية، خصوصا في ظل وجود مؤسسات متوازية تتعامل مع العلاقات الخارجية والتمثيل الدولي وإدارة الموارد.

وأشار حرب إلى أن النظام المعلن لم يقدم حلولا عملية لمسائل جوهرية، مثل موقع رئيس الدولة مقابل رئيس منظمة التحرير، وآلية اختيار كل منهما، وإمكانية حدوث تعارض مستقبلي إذا لم يكن المنصبان بيد شخصية واحدة.

وتتعلق إحدى أبرز الإشكاليات بأن رئيس منظمة التحرير يتم اختياره من داخل اللجنة التنفيذية المنتخبة من المجلس الوطني، بينما يفترض أن ينتخب رئيس الدولة بشكل مباشر وفق التصورات الدستورية، ما يخلق احتمال وجود مركزين مختلفين للقرار السياسي.

كما أن النظام الجديد يسير بعكس المسار الذي جرى الحديث عنه خلال السنوات الماضية بعد رفع مكانة فلسطين في الأمم المتحدة إلى دولة مراقب، حيث كان الاتجاه المعلن هو تطوير مؤسسات الدولة، بينما يبدو المسار الجديد أقرب إلى إعادة دمج الدولة داخل المنظمة دون حسم طبيعة العلاقة بينهما.

وتأتي هذه الخلافات في ظل أزمة سياسية فلسطينية عميقة، وغياب الانتخابات العامة منذ سنوات طويلة، واستمرار الانقسام الداخلي بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

وحذر حرب من أن إجراء انتخابات المجلس الوطني وفق قواعد خلافية ودون توافق وطني واسع قد يحولها من فرصة لإصلاح النظام السياسي إلى محطة جديدة لتعميق الانقسام ومنح شرعية شكلية للبنية القائمة.

وشدد على أن إعادة بناء المجلس الوطني تحتاج إلى توافق شامل يضمن مشاركة مختلف القوى الفلسطينية في الداخل والخارج، ونظاما انتخابيا واضحا وشفافا، وليس ترتيبات تعيد إنتاج الهيمنة السياسية تحت عنوان تجديد المؤسسات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى