تحليلات واراء

“مؤتمر التوريث”.. فتح تُكرس هيمنة عائلة عباس وإحكام قبضته على مفاصل الحركة

هاجمت صحيفة المدن اللبنانية مؤتمر حركة فتح الثامن، معتبرة أنه تحول إلى “مهرجان سياسي” هدفه الأساسي تكريس مشروع التوريث للسلطة داخل الحركة، عبر تمهيد الطريق أمام ياسر عباس نجل رئيس سلطة رام الله محمود عباس، وإفراغ الحركة من مضمونها الوطني وتحويلها إلى أداة لحماية النفوذ السياسي والأمني المحيط بالرئيس.

وقالت الصحيفة إن المؤتمر الذي اختتم أعماله في رام الله لم يناقش أي برنامج وطني جدي لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي والاستيطان أو وقف الانهيار السياسي والتنظيمي داخل الحركة، بل انشغل بترتيبات داخلية هدفها إحكام قبضة الحلقة المحيطة بمحمود عباس على مفاصل فتح والسلطة الفلسطينية.

وأبرزت الصحيفة أن المؤتمر بدا أقرب إلى “عملية توريث سياسية” تشبه ما جرى في الحزب الوطني المصري قبل سقوط نظام حسني مبارك، عبر الدفع التدريجي بياسر عباس إلى واجهة المشهد السياسي، إلى جانب الثلاثي المتحكم في القرار داخل السلطة، والمكوّن من حسين الشيخ وماجد فرج وياسر عباس نفسه.

وبحسب الصحيفة، فإن محمود عباس تدخّل شخصياً في تفاصيل تشكيل المؤتمر وقوائم المشاركين، حيث اعترض في البداية على رفع عدد الحضور إلى 4500 شخص، معتبراً أن “هذا مؤتمر وليس مهرجاناً”، قبل تخفيض العدد إلى 2500 مشارك، وهو ما اعتبرته الصحيفة استمراراً لطبيعة المؤتمر الاحتفالية والخالية من أي مضمون تنظيمي أو إصلاحي حقيقي.

استبعاد مئات الكوادر والمناضلين التاريخيين في فتخ

أشارت صحيفة “المدن” إلى أن قيادة فتح تعمدت استبعاد مئات الكوادر والمناضلين التاريخيين من المشاركة، إضافة إلى تهميش ممثلي الشتات الفلسطيني في لبنان وسوريا، حيث خلت اللجنة المركزية الجديدة بالكامل من أي تمثيل فعلي للاجئين الفلسطينيين خارج الأراضي الفلسطينية.

ونوهت الصحيفة إلى أن القيادي الفتحاوي المقدسي أحمد غنيم رفض حضور المؤتمر احتجاجاً على ما وصفه بغياب النزاهة والشفافية، بعد اضطراره إلى تقديم طلب استئناف لاستعادة عضويته في المؤتمر، فيما قاطع القيادي ناصر القدوة أعمال المؤتمر للأسباب نفسها.

كما أكدت الصحيفة أن المؤتمر تجاهل تماماً إجراء مراجعة سياسية لمسار فتح والسلطة رغم “النكبة التي يعيشها الفلسطينيون” في غزة والضفة الغربية، في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية وسياسات القتل والتجويع والتهجير.

وقالت إن محمود عباس كرّس خلال المؤتمر النهج السياسي القائم على “المفاوضات ثم المفاوضات ثم المفاوضات”، رغم انهيار مسار أوسلو وفشل مشروع التسوية بالكامل، مشيرة إلى أن المؤتمر السادس عام 2008 عقد أساساً لإضفاء شرعية على عباس ونهجه السياسي، فيما جاء المؤتمر السابع عام 2016 لتشديد قبضته على الحركة بعد انشقاق محمد دحلان وتياره.

تحالف الورثة والأجهزة الأمنية

أبرزت الصحيفة أن المؤتمر الثامن استكمل النهج نفسه عبر إعادة إنتاج السلطة ذاتها، وإحكام سيطرة ما وصفته بـ”تحالف الورثة والأجهزة الأمنية” على القرار التنظيمي داخل الحركة، مع إقصاء أي تيارات معارضة أو شخصيات قد تشكل تهديداً لمعادلة النفوذ القائمة.

وكشفت الصحيفة أن محمود عباس وضع بنفسه قائمة شبه محسومة لعضوية اللجنة المركزية، ضمت أسماء محسوبة على الدائرة الضيقة المحيطة به، بينهم حسين الشيخ وماجد فرج وياسر عباس، إضافة إلى عدد من الشخصيات التنظيمية والأمنية، مع إبقاء هامش محدود للتنافس على بقية المقاعد بهدف منح الانتخابات “شكلاً ديمقراطياً”.

وأوضحت أن وجود اسم الأسير مروان البرغوثي داخل القائمة جاء بهدف منح شرعية شعبية للتشكيلة الجديدة، في وقت تم فيه الحفاظ على شخصيات مثل جبريل الرجوب وتوفيق الطيراوي وعدنان غيث لترويج صورة التعددية داخل الحركة، رغم بقاء القرار الحقيقي بيد الدائرة المقربة من محمود عباس.

واتهمت الصحيفة قيادة فتح باستخدام المؤتمر كأداة لتسويق “إصلاح وهمي”، يشبه طريقة إدارة الانتخابات البلدية والحديث عن انتخابات المجلس الوطني، مع استمرار تعطيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية، والتلاعب بالقوانين الانتخابية لضمان استمرار السيطرة الحالية على السلطة والحركة.

وأضافت أن نتائج المؤتمر كرّست عملياً هيمنة “الثلاثي ياسر عباس وماجد فرج وحسين الشيخ” على الحركة، في ظل تراجع دور المؤسسات التنظيمية وتحول المجلس الثوري إلى جسم فاقد للصلاحيات، بينما باتت اللجنة المركزية خاضعة بالكامل لمعادلات النفوذ الأمني والسياسي داخل السلطة الفلسطينية.

وختمت الصحيفة تقريرها بالتأكيد على أن مؤتمر فتح الثامن لم يقدم أي حلول للأزمة الفلسطينية أو لأزمة الحركة الداخلية، بل عكس حجم الانهيار الذي تعيشه فتح بعد سنوات من الفساد والانقسامات والصراع على السلطة، محذرة من أن مشروع التوريث الحالي قد يقود إلى انفجار داخلي جديد داخل الحركة في ظل الغضب المتزايد داخل قواعدها التنظيمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى