تحليلات واراء

قراءة في نتائج انتخابات المؤتمر الثامن لحركة فتح

تكشف نتائج انتخابات المؤتمر الثامن لحركة “فتح” عن إعادة تشكيل واضحة لمركز القوة داخل الحركة وسلطة رام الله عبر تكريس تحالف يجمع المدرسة الأمنية مع شبكة المصالح الاقتصادية المرتبطة بالنفوذ السياسي، في وقت تراجع فيه الحضور التنظيمي التاريخي للحركة لصالح نفوذ الأجهزة الأمنية ورجال الأعمال المقربين من رأس السلطة.

وأظهرت الانتخابات صعود مدير جهاز المخابرات العامة ماجد فرج إلى صدارة المشهد الفتحاوي بحصوله على المركز الثاني في انتخابات اللجنة المركزية، خلف الأسير في سجون الاحتلال مروان البرغوثي، في مؤشر يعكس انتقال مركز الثقل داخل الحركة من الإطار التنظيمي التقليدي إلى المؤسسة الأمنية التي باتت اللاعب الأكثر تأثيراً في الضفة الغربية.

ودخل ياسر عباس اللجنة المركزية للمرة الأولى، في خطوة اعتبرها مراقبون تكريساً عملياً لمسار توريث النفوذ داخل سلطة رام الله، خصوصاً أنه لا يمتلك تاريخاً تنظيمياً داخل أطر الحركة، ولم يتدرج في بنيتها التنظيمية التقليدية.

ويُعد ياسر عباس من أبرز رجال الأعمال المرتبطين بالسلطة، إذ يملك مجموعة شركات “فالكون” الناشطة في قطاعات الاتصالات والتبغ والاستثمار، وسط اتهامات متكررة من خصوم السلطة باحتكار العطاءات والمشاريع الكبرى داخل السوق الفلسطينية، مستفيداً من قربه المباشر من الرئيس محمود عباس.

حركة فتح ويكيبيديا

تعكس نتائج المؤتمر، وفق متابعين للشأن الفتحاوي، اندماجاً متزايداً بين السلطة والحركة، بحيث باتت “فتح” تُدار بمنطق السلطة لا بمنطق التنظيم الثوري الذي قاد العمل الوطني الفلسطيني لعقود، وهو ما ظهر بوضوح في طبيعة الأسماء الفائزة، وتركيبة اللجنة المركزية الجديدة، والتوزيع الجغرافي والسياسي للمنتخبين.

وأظهرت النتائج حصول الضفة الغربية على النصيب الأكبر من مقاعد اللجنة المركزية بواقع 12 مقعداً، معظمهم محسوبون على تيار المؤسسة الأمنية أو دوائر النفوذ المالي والإداري المرتبطة بالسلطة، مقابل أربعة مقاعد فقط لقطاع غزة، رغم الثقل التاريخي والتنظيمي للحركة في القطاع.

في المقابل، غاب تمثيل الساحات الخارجية بالكامل، بما فيها لبنان وسوريا، في سابقة تعكس تراجع دور الشتات الفلسطيني داخل البنية القيادية للحركة، بعدما كانت الساحات الخارجية تشكل لعقود أحد أعمدة “فتح” العسكرية والسياسية والتنظيمية.

وضمت قائمة الفائزين من قطاع غزة كلاً من أحمد حلس وأحمد أبو هولي وإياد صافي وتيسير البرديني، بينما سجل المؤتمر دخول أسماء جديدة من الأسرى المحررين، أبرزهم زكريا الزبيدي.

سيطرة الأجهزة الأمنية ومراكز النفوذ المالي

رغم تصدر مروان البرغوثي النتائج، فإن مراقبين يرون أن فوزه يعكس مزاجاً فتحاوياً داخلياً رافضاً لهيمنة المؤسسة الأمنية، أكثر مما يعكس تحولاً فعلياً في موازين القوة، إذ لا يزال البرغوثي أسيراً داخل السجون الإسرائيلية، بينما تتحكم الأجهزة الأمنية ومراكز النفوذ المالي بمفاصل القرار التنظيمي والسياسي داخل الحركة.

وقال الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري إن المؤتمر افتقد أي نقاش جدي حول البرنامج السياسي، مضيفاً أن كل الجهد انصب على التنافس على المقاعد داخل اللجنة المركزية، مع وجود “هندسة” واضحة للعملية الانتخابية، شملت إبعاد بعض الأسماء وإفساح المجال لأسماء أخرى.

ويشير مراقبون إلى أن طبيعة النظام الانتخابي داخل المؤتمر، إضافة إلى شروط الترشح ساهمت في تكريس نتائج محسومة سلفاً، خصوصاً بعد فرض شرط “الالتزام ببرنامج منظمة التحرير وقرارات الشرعية الدولية” على المرشحين، وهو ما دفع قوى وشخصيات محسوبة على تيارات معارضة أو رافضة لمسار التسوية إلى المقاطعة أو الاستبعاد عملياً.

كما تعكس نتائج البلديات والنقابات خلال السنوات الأخيرة حالة الانغلاق السياسي داخل الضفة الغربية، بعدما حُسمت نسبة تقارب 60% من الهيئات المحلية بالتزكية، في ظل غياب المنافسة الفعلية وتراجع قدرة الخصوم السياسيين على خوض الانتخابات ضمن بيئة تهيمن عليها السلطة وأجهزتها الأمنية.

الإطاحة بأسماء تاريخية من قيادة فتح

تظهر تركيبة اللجنة المركزية الجديدة استمرار نفوذ الحرس التقليدي داخل الحركة، مع بقاء أسماء مثل جبريل الرجوب وتوفيق الطيراوي ومحمود العالول ومحمد المدني، فيما خرجت شخصيات تاريخية مثل عزام الأحمد وعباس زكي من المشهد القيادي المباشر.

وفي ملف النساء، حافظت دلال سلامة على موقعها في اللجنة المركزية، فيما دخلت ليلى غنام اللجنة للمرة الأولى.

ويرى مراقبون أن المؤتمر الثامن لفتح أعاد إنتاج البنية الحاكمة نفسها بصيغة أكثر إحكاماً، تجمع بين النفوذ الأمني والمالي تحت سقف السلطة الفلسطينية.

ويقول هؤلاء إن “فتح” التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، تبدو اليوم أقرب إلى جهاز سياسي ـ إداري مرتبط بالسلطة، بينما تراجعت البنية التنظيمية التقليدية للحركة، وغابت النقاشات المتعلقة بالمقاومة أو المشروع الوطني أو مستقبل العلاقة مع الاحتلال.

وتبرز في هذا السياق مفارقة تصدر مروان البرغوثي للنتائج، بوصفه أحد أبرز رموز الانتفاضة الثانية والعمل المسلح داخل الحركة، مقابل صعود شخصيات مرتبطة بالأجهزة الأمنية والاقتصاد السياسي للسلطة، وهو ما يعكس انقساماً داخلياً بين القاعدة التنظيمية والمركز الحاكم.

وبحسب مراقبين، فإن المؤتمر الثامن كرّس عملياً معادلة جديدة داخل “فتح” تقوم على تحالف المؤسسة الأمنية مع شبكات المصالح الاقتصادية، بما يضمن استمرار السيطرة على القرار السياسي والتنظيمي، في وقت يشعر فيه جزء واسع من كوادر الحركة التاريخيين بالتهميش والإقصاء، بعد سنوات من التحولات التي نقلت مركز القرار من التنظيم إلى السلطة، ومن الميدان إلى الأجهزة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى