تحليلات واراء

خطاب “سد الذرائع” يهيمن على نهج سلطة رام الله والنتيجة صفر كبير

بات خطاب “سد الذرائع” يهيمن على نهج سلطة رام الله تحت شعار تفادي التصعيد مع الاحتلال الإسرائيلي وتحميل فصائل المقاومة مسؤولية ما يرتكبه من جرائم على امتداد الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وقد أعاد استخدام رئيس سلطة رام الله محمود عباس لمفهوم “سد الذرائع” في التعامل مع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة فتح جدل واسع داخل الساحة الفلسطينية، بعدما انتقلت قاعدة فقهية خلافية إلى قلب النقاش السياسي بشأن الاحتلال والمقاومة والمسؤولية عن استمرار العدوان.

وجاء الجدل بعد دعوات متكررة من عباس لفصائل المقاومة إلى اتخاذ خطوات تسحب ما وصفه بـ”الذرائع الإسرائيلية”، بما في ذلك تسليم الأسرى ووقف أي أسباب تستخدمها دولة الاحتلال لتبرير استمرار عملياتها العسكرية، وهي تصريحات تمثل انسجاماً مع منطق يحمل الفلسطينيين مسؤولية عدوان الاحتلال بدلاً من مساءلة القوة القائمة بالاحتلال.

وكان عباس قد قال خلال كلمته أمام القمة العربية في البحرين في 16 مايو/أيار 2024 إن العملية التي نفذتها حركة حماس في السابع من أكتوبر “بقرار منفرد وفّرت لإسرائيل المزيد من الذرائع والمبررات كي تهاجم قطاع غزة وتمعن فيه قتلاً وتدميراً وتهجيراً”.

كما عاد في مارس/آذار 2025 للمطالبة بأن “تقطع حماس الطريق على (إسرائيل) وتسحب الأعذار منها”، قبل أن يؤكد خلال افتتاح أعمال المجلس المركزي الفلسطيني في رام الله أن تجريد المقاومة من السلاح قد يؤدي إلى وقف المبررات التي تعتمد عليها دولة الاحتلال في استمرار الحرب.

لكن هذه المقاربة أثارت اعتراضات واسعة داخل الأوساط الفلسطينية، التي شددت على أن الاحتلال لا يحتاج إلى ذرائع لتنفيذ سياساته العسكرية، وأن التجارب التاريخية أظهرت استمرار الاستيطان والقتل والاعتقالات والحصار حتى في مراحل غياب العمل المسلح.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

يبرز الكاتب والمحلل السياسي أسامة خليفة أن طرح سلطة رام الله أن تحويل مفهوم “سد الذرائع” إلى قاعدة سياسية دائمة يؤدي عملياً إلى تقييد أي شكل من أشكال مقاومة الاحتلال، بما فيها المقاومة الشعبية السلمية، بحجة أن دولة الاحتلال قد تستخدمها مبرراً للرد بالقوة.

ويشدد خليفة على أن القانون الدولي لا يعتبر مقاومة الاحتلال سبباً يبرر ارتكاب المجازر ضد المدنيين، بل إن اتفاقيات جنيف تحمل القوة القائمة بالاحتلال مسؤولية حماية السكان الواقعين تحت سيطرتها، وتعتبر استهداف المدنيين والعقاب الجماعي جرائم لا يمكن تبريرها بأي ظروف.

في المقابل، يدافع مؤيدو موقف السلطة عن مفهوم “سد الذرائع” باعتباره نهجاً سياسياً يهدف إلى تقليل الخسائر وحماية المدنيين، ويرون أن المرحلة الحالية تتطلب أولوية إنسانية تتمثل في وقف الحرب وفتح المعابر وإدخال المساعدات ومنع مخططات التهجير.

ويعقب خليفة بأن هذا الطرح يتجاهل حقيقة الموقف الإسرائيلي من السلطة نفسها، إذ لم تمنع سنوات التنسيق السياسي والأمني من استمرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية أو رفض إسرائيل تقديم مسار سياسي ينهي الاحتلال.

ويشير إلى أن الإفراط في سياسة “سد الذرائع” قاد ولا يزال إلى سلسلة تنازلات مجانية دون ضمانات، خصوصاً في ظل غياب ضغط دولي حقيقي يجبر دولة الاحتلال على وقف انتهاكاتها أو الالتزام بالاتفاقات.

ويستحضر هذا الجدل أيضاً مفهوم “فتح الذرائع” الذي يقوم على اتخاذ وسائل مشروعة لتحقيق مصالح أكبر، مقابل “سد الذرائع” الذي يمنع بعض الوسائل خشية نتائجها، لكن الخلاف يتمحور حول السؤال الأساسي: هل المشكلة في فعل المقاومة أم في طبيعة الاحتلال؟

وترى قوى فلسطينية أن تحويل الخوف من رد فعل الاحتلال إلى معيار وحيد للعمل السياسي يعني منح دولة الاحتلال قدرة دائمة على فرض قواعد اللعبة، لأن أي تحرك فلسطيني، سواء كان سياسياً أو شعبياً أو مسلحاً، يمكن أن يواجه بالقمع والتصعيد.

ومنذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، حاولت الفصائل الفلسطينية اعتماد سياسة تهدئة لتجنب منح حكومة بنيامين نتنياهو فرصة لاستئناف الحرب، عبر الالتزام بالاتفاقات وانتظار تنفيذ مراحل الانسحاب وإدخال المساعدات.

لكن استمرار الخروقات الإسرائيلية، وفق هذه القوى، أعاد طرح السؤال حول جدوى سياسة تجنب التصعيد إذا كانت دولة الاحتلال تواصل عملياتها حتى في غياب ما تسميه “الذرائع”.

ويعكس الجدل حول “سد الذرائع” أزمة أعمق داخل النظام السياسي الفلسطيني بين نهجين؛ الأول تتبناه السلطة ويراهن على خفض التصعيد وتجنب المواجهة، والثاني يعتبر أن الاحتلال هو أصل الأزمة وأن التنازلات المتواصلة لا توفر حماية للفلسطينيين ولا تمنع دولة الاحتلال من مواصلة سياساتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى