محللون: تنازلات حماس تستهدف إنقاذ غزة دون التخلي عن حق مقاومة الاحتلال

قال كتاب ومحللون فلسطينيون وعرب إن موافقة حركة حماس على ترتيبات جديدة تتعلق بإدارة قطاع غزة وآليات التعامل مع ملف السلاح تمثل تنازلاً سياسياً فرضته الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع، لكنها لا تعني التخلي عن حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال.
وأكد هؤلاء أن حركة حماس قدمت ما وصفوه بـ”تنازلات مؤلمة” من أجل وقف حرب الإبادة الإسرائيلية وإنقاذ المدنيين في قطاع غزة، مع استمرار تمسكها بالمبدأ القانوني والسياسي القائم على مشروعية مقاومة الاحتلال.
وجاءت هذه القراءة عقب الإعلان عن التفاهمات المرتبطة بخطة السلام الخاصة بقطاع غزة، والتي تضمنت موافقة حركة حماس على حصر وتخزين السلاح الثقيل تحت إشراف لجنة وطنية فلسطينية، ضمن مسار متزامن مع الانسحاب الإسرائيلي من القطاع.
تنازلت “حماس” لمصلحة غزة
رأى الكاتب الفلسطيني داود كتّاب، أن موافقة حماس جاءت بعد أشهر من استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، رغم التفاهمات المتعلقة بوقف إطلاق النار وخطة السلام التي أقرها المجتمع الدولي.
وأشار كتّاب، إلى أن دولة الاحتلال واصلت عدوانها العسكري ووسعت سيطرتها داخل قطاع غزة، بينما بقيت المرحلة الثانية من الاتفاق معطلة، رغم إعلان الأطراف المعنية استيفاء متطلبات المرحلة الأولى.
وأوضح أن حماس قبلت، على مضض، بمطالب جديدة تتعلق بعملية نزع السلاح التدريجي، رغم أنها لم تكن جزءاً من الالتزامات الأصلية للمرحلة الأولى، معتبراً أن هذا الموقف جاء استجابة للظروف الإنسانية التي يعيشها سكان القطاع، وليس تعبيراً عن تغيير في طبيعة الصراع أو الاعتراف بانتهاء حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال.
وأشار إلى أن الترتيبات المقترحة تنص على وضع المعدات العسكرية الثقيلة في مستودعات مغلقة تحت إشراف اللجنة الوطنية الفلسطينية، على أن يقترن تنفيذ هذه الخطوات بانسحاب إسرائيلي تدريجي وتنفيذ الالتزامات الواردة في المرحلة الثانية من الاتفاق، معتبراً أن الكرة أصبحت في ملعب الحكومة الإسرائيلية بعد قبول الحركة بالتعديلات الجديدة.
تفاهمات سلاح المقاومة.. منعطف فلسطيني حاسم
من جانبه، رأى الكاتب الأردني معن البياري، أن النقاش الدائر ينبغي أن يتركز على إنقاذ سكان قطاع غزة، لا على الجدل بشأن حركة حماس أو سلاحها، مؤكداً أن الحركة اتخذت قراراً وصفه بالإيجابي عندما وافقت على تسليم السلاح الثقيل إلى اللجنة الوطنية الفلسطينية، بالتزامن مع استعدادها للانسحاب من إدارة الشؤون المدنية في القطاع.
وأكد البياري أن هذه الخطوات لا تلغي حقيقة أن حماس حركة مقاومة خاضت مواجهة عسكرية طويلة مع الاحتلال الإسرائيلي، وأن التنازلات الأخيرة لا ينبغي تفسيرها باعتبارها إعلاناً عن انتهاء مشروع المقاومة، وإنما باعتبارها محاولة لتخفيف معاناة المدنيين وفتح الطريق أمام وقف الحرب وإعادة الإعمار.
وقال إن “حماس في الأول والأخير، حركة مقاومين أبطال، يُعجزون مخيّلة كل صاحب بيان ومجاز إذا ما أراد توصيف بسالتهم وفدائيّتهم، والذي صنعه شبّان مخلصون من هؤلاء في موقعة “7 أكتوبر” (2023) كان استثنائياً في إصابته العدو الإسرائيلي بصدمةٍ رجّت زهو المشروع الصهيوني في بنائه دولة الأمن والأمن لكل يهودي ويهودية في “أرض الميعاد”.
وأضاف “إذا كان أهل القرار الفلسطيني ممن ذهبوا إلى التسويات والمفاوضات لم يُحرزوا للمشروع الوطني العتيد آفاقه المشتهاة، ولا عتباته المأمولة، فإنهم كما الذين اختاروا معارضتهم بعمليات استشهادية (بطولية ومقدّرة) وبصواريخ بدائية على مستوطنات في غلاف غزّة، وبكل عمليات المقاومة التي استهدفت إسرائيليين، هؤلاء لم ينجزوا المُراد الذي بذلوا من أجله حياتهم”.
غزة بلا سلاح… من أجل الإنسان الفلسطيني
وفي السياق ذاته، اعتبر الكاتب المصري وائل قنديل، أن ما جرى يعكس حجم الضغوط التي تعرض لها قطاع غزة بعد أشهر من الحرب، مشيراً إلى أن حماس وجدت نفسها أمام واقع إنساني بالغ القسوة دفعها إلى القبول بخيارات لم تكن مطروحة في السابق، بهدف وقف نزيف الدم وإنقاذ السكان.
ورأى قنديل أن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية بعد الإعلان عن الاتفاقات يثير تساؤلات حول مدى التزام الاحتلال بالتفاهمات، مشيراً إلى أن معدلات القتل عادت إلى الارتفاع فور الإعلان عن الترتيبات الجديدة، بما يعزز المخاوف من أن تؤدي التنازلات الفلسطينية إلى استمرار الحرب بدلاً من إنهائها.
وأكد أن التجربة الفلسطينية مع الاتفاقات السابقة أظهرت أن الاحتلال كثيراً ما أعاد تفسير الالتزامات أو تنصل منها، مستشهداً بما آلت إليه اتفاقيات أوسلو، وأن الفلسطينيين يخشون تكرار السيناريو ذاته إذا لم يقترن أي اتفاق بضمانات فعلية تلزم إسرائيل بتنفيذ تعهداتها.
وشدد على أن قبول حماس بإجراءات تتعلق بحصر السلاح وإعادة ترتيب إدارة قطاع غزة لا يعني إسقاط خيار مقاومة الاحتلال أو التخلي عنه، وإنما يمثل استجابة لواقع استثنائي فرضته الحرب وما خلفته من خسائر بشرية ودمار واسع في القطاع.
وأشار إلى أن حق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في مقاومة الاحتلال يبقى مبدأً معترفاً به في القانون الدولي، وأن أي ترتيبات أمنية أو سياسية مرتبطة بقطاع غزة لا تنهي جذور الصراع المتمثلة في استمرار الاحتلال، ولا تحسم مستقبل المقاومة الفلسطينية على المدى البعيد.
وخلصت آراء الكتاب الثلاثة إلى أن التنازل الذي قدمته حماس جاء، في الأساس، لمصلحة سكان قطاع غزة الذين يواجهون أوضاعاً إنسانية غير مسبوقة، بينما يبقى مستقبل الصراع مرتبطاً بإنهاء الاحتلال وتنفيذ الالتزامات السياسية والأمنية المتبادلة وإقرار كامل الحقوق الفلسطينية.





