واشنطن بوست: نتنياهو يقامر بآخر أوراقه السياسية عبر الحرب الإقليمية

أكدت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يخوض أخطر مقامرة سياسية في مسيرته الطويلة عبر الحرب الإقليمية الجارية، في محاولة أخيرة لإنقاذ مستقبله السياسي المتعثر، وسط تزايد الشكوك داخل تل أبيب وخارجها بشأن قدرته على تحويل التصعيد العسكري إلى انتصار انتخابي.
ورأت الصحيفة أن التحالف الوثيق بين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وفر لإسرائيل خلال السنوات الماضية مكاسب سياسية غير مسبوقة، قد يتحول في الوقت ذاته إلى رهان محفوف بالمخاطر قد ينتهي بإغراق الرجلين في أزمة سياسية داخلية، خاصة مع اتساع رقعة الحرب في المنطقة.
وأشارت الصحيفة إلى أن نتنياهو اعتبر وصول ترامب إلى البيت الأبيض أقرب إلى “نبوءة سياسية” تحققت لليمين الإسرائيلي.
فخلال سنوات حكمه، قدم ترامب لإسرائيل سلسلة قرارات تاريخية، أبرزها نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان، وإلغاء الاتفاق النووي مع إيران.
كما خفّضت إدارته بشكل كبير تمويل وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، في حين حصل المستوطنون اليهود في الضفة الغربية على امتيازات سياسية وإدارية غير مسبوقة.
لكن بالنسبة لنتنياهو، كانت الخطوة الأكبر في 28 فبراير الماضي، عندما شنت الولايات المتحدة هجوماً واسعاً على إيران في أكبر حشد عسكري أمريكي منذ حرب العراق، وهو مطلب ظل رئيس الوزراء الإسرائيلي يضغط لتحقيقه لدى الإدارات الأمريكية المتعاقبة لعقود.
بنيامين نتننياهو ويكيبيديا
أبرزت الصحيفة أن الحرب على إيران تمثل أخطر رهان سياسي يخوضه نتنياهو وترامب معاً، إذ إن نتائجها لا تزال غير محسومة وقد تعيد تشكيل الشرق الأوسط بطرق لا يمكن لأي منهما السيطرة عليها بالكامل.
لكن المخاطر بالنسبة لنتنياهو تبدو أكبر بكثير، لأنه يدخل المرحلة المقبلة وهو يواجه انتخابات صعبة في الداخل الإسرائيلي.
فبحسب استطلاعات الرأي الأخيرة، يعاني الائتلاف الحاكم من تراجع واضح يجعله دون عتبة الـ61 مقعداً المطلوبة لتشكيل حكومة.
كما أن قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي لا تزال تحمله مسؤولية الفشل الأمني الكارثي الذي وقع في 7 أكتوبر 2023، عندما نفذت حركة حماس الهجوم الأكبر في تاريخ إسرائيل.
حرب لإنقاذ المستقبل السياسي
يرى محللون أن نتنياهو يراهن على الحرب الحالية لإعادة صياغة صورته السياسية أمام الناخبين الإسرائيليين.
وتقول أستاذة العلوم السياسية في الجامعة العبرية في القدس المحتلة غايل تالشر إن التدخل العسكري الأمريكي ضد إيران يمثل “أكبر إنجاز سياسي حصل عليه نتنياهو من ترامب”.
لكن هذا الإنجاز قد لا يكون كافياً لإنقاذ مستقبله السياسي، فالصدمة التي خلفها هجوم 7 أكتوبر والانقسام الداخلي الحاد داخل دولة الاحتلال لا يزالان يلقيان بظلال ثقيلة على المشهد السياسي.
كما أن الاحتجاجات التي خرجت ضد خطته لإصلاح النظام القضائي، إضافة إلى قضايا الفساد التي يواجهها، ما تزال تؤثر في صورته لدى جزء كبير من الرأي العام الإسرائيلي.
علاقة معقدة مع ترامب
لفتت الصحيفة إلى أن العلاقة بين نتنياهو وترامب تبدو في ظاهرها تحالفاً قوياً، لكنها في الواقع أكثر تعقيداً مما تبدو عليه.
ففي الولايات المتحدة يرى كثير من المراقبين أن نتنياهو نجح في التأثير على ترامب ودفعه نحو الحرب مع إيران.
لكن داخل دولة الاحتلال يرى بعض المحللين العكس، معتبرين أن ترامب هو من تمكن من فرض قرارات لم يكن نتنياهو مستعداً لقبولها بينها إشراك قطر وتركيا في ترتيبات وقف إطلاق النار، بل وإجبار تل أبيب على وقف القصف في بعض المراحل.
كما ضغط ترامب في مناسبات عدة لمنع ضم أجزاء من الضفة الغربية رسمياً، وأجبر نتنياهو على قبول فكرة “مسار محتمل نحو الدولة الفلسطينية”، وهو ما شكّل تراجعاً كبيراً عن مواقف نتنياهو التقليدية.
انتخابات إسرائيلية مصيرية
بحسب القانون الإسرائيلي يجب إجراء الانتخابات العامة بحلول 27 أكتوبر المقبل، لكن كثيراً من المحللين يتوقعون أن يحاول نتنياهو الدعوة إلى انتخابات مبكرة.
ويعتقد هؤلاء أنه يسعى إلى استغلال أي موجة دعم شعبي قد تنتج عن الحرب ضد إيران قبل أن تتبدد آثارها. لكن نجاح هذه الاستراتيجية ليس مضموناً.
فالمجتمع الإسرائيلي يعيش حالة استقطاب سياسي حاد، والاحتجاجات ضد نتنياهو لم تتوقف منذ سنوات.
ويرى رئيس المعهد الإسرائيلي للديمقراطية يوهانان بليسنر أن تغيير مواقف الناخبين الإسرائيليين أصبح أمراً صعباً للغاية في ظل الانقسام السياسي العميق.
وعلى مدى ثلاثة عقود تمكن نتنياهو من النجاة مراراً من أزمات سياسية بدت في وقتها كفيلة بإنهاء مسيرته.
فقد تجاوز لوائح اتهام بالفساد، وانهيارات حكومية متكررة، بل وحتى خروجاً مؤقتاً من السلطة قبل أن يعود إليها عام 2022. لكن الحرب الحالية قد تكون مختلفة.
فبدلاً من أن تكون طوق نجاة سياسي، قد تتحول إلى الفصل الأخير في مسيرته السياسية إذا فشلت في تغيير المزاج العام داخل دولة الاحتلال.
وتخلص الصحيفة إلى أن نتنياهو يقف اليوم أمام لحظة مفصلية في تاريخه السياسي، حيث قد تحدد الحرب الإقليمية التي يخوضها مع ترامب ما إذا كان سيبقى في السلطة مرة أخرى، أو أنها ستكون المغامرة التي أنهت أطول مسيرة لرئيس وزراء في تاريخ دولة الاحتلال.





