تحليلات واراء

جسور نيوز تشرعن عدوان الاحتلال بتوصيف الضحايا مسبقا قبل أي تحقق

تتورط منصة منصة “جسور نيوز” المدعومة إماراتياً وإحدى أبرز أدوات شبكة أفيخاي الإسرائيلية، في شرعنة عدوان الاحتلال الإسرائيلي من خلال توصيف الضحايا مسبقا قبل أي تحقق وقبل إصدار جيش الاحتلال نفسه بيانات بشأن ما تم استهدافه.

وتسارع المنصة مع كل استهداف إسرائيلي جديد على قطاع غزة، إلى وصف الضحايا بأنهم ينتمون إلى فصائل المقاومة حتى قبل صدور أي إعلان رسمي من جيش الاحتلال أو بيانات من الفصائل الفلسطينية، وهو ما يعد تبنياً للرواية الإسرائيلية وإضفاء مبررات مسبقة للهجمات.

ويبرز مختصون أن نمط التغطية الذي تتبعه منصة جسور نيوز يتكرر عقب كل عملية اغتيال تقريباً، إذ تُنشر أسماء الشهداء وتزعم سريعا انتمائهم إلى فصائل المقاومة أو ارتباطهم بأنشطة عسكرية، وهو ما يمنح الاحتلال غطاءً إعلامياً لتبرير استهداف الأشخاص الذين يسقطون في الغارات.

ويشير هؤلاء إلى أن المنصة تتعامل مع بيانات الاغتيالات باعتبارها روايات محسومة، بينما تتجاهل في المقابل حجم الخسائر البشرية في صفوف المدنيين الفلسطينيين، وما تخلفه الغارات الإسرائيلية من ضحايا ودمار واسع في المناطق السكنية، فضلاً عن الآثار الإنسانية المترتبة على استمرار العمليات العسكرية.

وشهدت عمليات الاغتيال التي استهدفت شباناً في قطاع غزة نشر تقارير عاجلة من “جسور نيوز” تنسبهم فيها مباشرة إلى فصائل المقاومة، حتى قبل أن يصدر الاحتلال بياناته الرسمية بشأن أهداف العملية، وهو ما يعد تجاوزاً للمعايير المهنية المتعلقة بالتحقق من المعلومات والاعتماد على مصادر مستقلة.

ويساهم هذا النهج الإعلامي في تكريس الرواية الإسرائيلية التي تقدم معظم عمليات القصف والاغتيال باعتبارها موجهة ضد أهداف للمقاومة، في حين تؤكد منظمات حقوقية وتقارير دولية أن عدداً كبيراً من الهجمات الإسرائيلية أدى إلى سقوط مدنيين، بينهم نساء وأطفال، وإلى تدمير واسع للمنازل والبنية التحتية.

كما أن التركيز على الانتماءات المفترضة للضحايا، قبل التحقق منها، يصرف الاهتمام عن القضية الأساسية المتمثلة في مشروعية استهداف المناطق المأهولة بالسكان رغم اتفاق وقف إطلاق النار، وما يرافق ذلك من آثار إنسانية، ويحد من تسليط الضوء على الانتهاكات التي توثقها مؤسسات حقوق الإنسان بشأن الحرب الدائرة في قطاع غزة.

ومعروف أن أي تغطية تسبق البيانات الرسمية أو تتبنى رواية أحد أطراف الصراع دون إسناد واضح أو تحقق مستقل، تؤثر في تشكيل الرأي العام وتخلق انطباعاً بأن جميع المستهدفين يشكلون أهدافاً عسكرية مشروعة، وهو ما يتعارض مع المبادئ المهنية التي تقوم على الدقة والحياد وإتاحة المجال للروايات المختلفة.

من هي جسور نيوز ؟

كشفت مجلة +972 Magazine الإسرائيلية مؤخرا، عن صلات وثيقة وعلاقات خفية تربط منصة “جسور نيوز” بمؤسسات إسرائيلية وشخصيات مرتبطة بالأجهزة الأمنية ومراكز الدراسات المقربة من المؤسسة الاستخباراتية الإسرائيلية.

وقالت المجلة في تحقيق استقصائي موسع، إن منصة جسور نيوز التي تقدم نفسها كوسيلة إعلام عربية مستقلة، تمثل في الحقيقة جزءًا من مشروع إعلامي يهدف إلى التأثير على الرأي العام العربي والترويج للرواية الإسرائيلية.

وأشار التحقيق إلى أن المنصة التي انطلقت عام 2024 نجحت في بناء قاعدة جماهيرية واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، مقدمة نفسها باعتبارها منبرًا يعكس نبض الشارع العربي.

إلا أن وثائق مسربة ورسائل إلكترونية اطلعت عليها المجلة، وفق ما جاء في التحقيق، تكشف وجود ارتباطات مباشرة بين القائمين على جسور نيوز ومؤسسات إسرائيلية تعمل في مجالات الأمن والدبلوماسية العامة والتأثير الإعلامي.

منصة جسور نيوز ويكيبيديا

أبرز التحقيق أن أحد أبرز الأدلة يتمثل في وثائق مسربة من معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، تضمنت مراسلات واجتماعات مع جوزيف براود، مؤسس مركز اتصالات السلام (CPC)، الذي يعرّف نشاطه بأنه يهدف إلى مواجهة ما يسميه “الخطابات المتطرفة” في الشرق الأوسط، بينما تشير الوثائق إلى أن نشاطه الفعلي يركز على دعم الخطاب المؤيد لإسرائيل داخل المجتمعات العربية وإقامة شراكات مع جهات أمنية وسياسية إسرائيلية لخدمة هذا الهدف.

وذكر التحقيق أن وثائق أخرى تصف “جسور نيوز” بأنها المنصة الإعلامية الرئيسية المستخدمة ضمن هذا المشروع، وأن اجتماعات عقدت بين ممثلين عن المعهد وشخصيات إعلامية وأكاديمية في قبرص عام 2025 ناقشت إنتاج محتوى إعلامي عبر “جسور” يهدف إلى مواجهة ما وصفته الوثائق بـ”الروايات المعادية لإسرائيل”، إلى جانب استضافة شخصيات إسرائيلية وإنتاج مواد إعلامية تخدم أهدافًا سياسية محددة.

ولفت التحقيق إلى أن المنصة كثفت خلال العامين الماضيين تغطيتها من داخل مناطق في قطاع غزة تخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي، وهي مناطق لا يسمح لمعظم وسائل الإعلام الفلسطينية والدولية بالوصول إليها، الأمر الذي أثار تساؤلات حول كيفية حصولها على هذا الامتياز الميداني في ظل القيود المشددة المفروضة على الصحفيين.

تحريض جسور نيوز على المقاومة الفلسطينية

ركزت “جسور نيوز” بصورة متكررة على إبراز العصابات العميلة للاحتلال، ونشرت مقابلات وتقارير حصرية مع قادتها، بينما تجاهلت بشكل كامل، الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون داخل السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية، في دليل على انتقائية واضحة في المعالجة الإعلامية وانحيازًا للرواية الإسرائيلية.

كما كشفت مراسلات مسربة تعود إلى مايو 2024، أظهرت أن أحد محرري “جسور نيوز” طلب من ناشط داخل قطاع غزة تصوير مشاهد لأسواق مكتظة بالمواد الغذائية وأشخاص يتسوقون ويأكلون ويملؤون المياه، رغم التحذيرات الدولية آنذاك من اقتراب المجاعة في القطاع.

وكان الهدف من هذه الطلبات إنتاج محتوى يناقض التقارير الأممية بشأن الكارثة الإنسانية في غزة.

وتعمل رئيسة تحرير جسور نيوز هديل عويس مع مركز اتصالات السلام، فيما تظهر سجلات الشفافية الخاصة بمنصة فيسبوك أن صفحة “جسور نيوز” كانت تحمل سابقًا اسم “المجلس العربي للتكامل الإقليمي”، وهو مشروع أسسه المركز نفسه قبل تغيير الاسم وإطلاق المنصة الإعلامية بصيغتها الحالية عام 2024.

ومركز اتصالات السلام يتلقى تمويلًا من جهات أمريكية داعمة لإسرائيل، بينما سبق لمؤسسه جوزيف براود أن نشر كتابًا يدعو فيه إلى إنشاء حملة إعلامية وثقافية واسعة لإعادة تشكيل الخطاب العربي بما يخدم الشراكة مع الاحتلال الإسرائيلي، مع التعاون مع الحكومات والأجهزة الأمنية لتنفيذ هذه الرؤية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى