سجل أسود للسلطة: القتل خارج القانون يتصاعد في الضفة منذ 7 أكتوبر

منذ السابع من أكتوبر 2023، شهدت الضفة الغربية تصاعدًا لافتًا في عمليات القتل خارج إطار القانون على يد أجهزة السلطة الفلسطينية، في سياق أمني متوتر تزامن مع حرب غزة وتداعياتها السياسية والميدانية.
ووفق رصد حقوقي موثق ارتفع عدد المواطنين الذين قُتلوا برصاص أجهزة السلطة إلى أكثر من 25 مواطنًا، في حوادث متفرقة وقعت خلال ملاحقات أمنية وفض فعاليات شعبية وإطلاق نار مباشر.
وقد شملت الضحايا فئات مختلفة، من أطفال وشبان وصحفيين ومطاردين للاحتلال، ما يضع سلوك الأجهزة الأمنية تحت مساءلة قانونية وحقوقية مباشرة، خصوصًا في ظل غياب أي تحقيقات علنية مستقلة أو محاسبة معلنة للمسؤولين.
ومن بين الضحايا خمسة أطفال: رونزا سمارة، علي سمارة، محمد العامر، رزان تركمان، ومجد زيدان. كما قُتل الشاب ربحي محمد الشلبي، والفتى أحمد البالي قرب مستشفى ابن سينا في جنين، في حادثة أثارت تساؤلات واسعة حول قواعد استخدام القوة في محيط مدني حساس.
وفي طولكرم، أُطلق الرصاص على الشاب محمد أحمد خطيب داخل مركبته، في واقعة موثقة أثارت انتقادات محلية واسعة.
السلطة الفلسطينية ويكيبيديا
تُظهر خريطة الضحايا أن محافظة طولكرم سجلت النسبة الأعلى من القتلى، تليها مناطق شمال الضفة، ولا سيما جنين ونابلس ومحيطهما. هذا التركز الجغرافي يتزامن مع تصعيد أمني مستمر في تلك المناطق، ومع تصاعد عمليات الاحتلال الإسرائيلي واقتحاماته اليومية، ما يعزز فرضية تداخل الأدوار الميدانية بدل تضادها.
وتضم القائمة الكاملة للضحايا أسماء معروفة في المجتمع المحلي، بينهم الصحفية شذى الصباغ، إلى جانب أنس عبد الفتاح، محمود الجلقموسي، قسم الجلقموسي، محمد عرسان، فراس تركمان، محمود أبو لبن، محمد صوافطة، معتصم العارف، أحمد أبو الفول، ومحمد أحمد الخطيب.
ويعكس هذا التنوع في الخلفيات اتساع دائرة الاستهداف، وعدم حصرها في فئة بعينها أو في ظروف اشتباك مسلح واضح.
وإلى جانب الضحايا، أصيب العشرات بالرصاص أو الدهس خلال قمع مسيرات خرجت دعمًا لغزة، في وقت تشهد فيه الضفة حالة احتقان غير مسبوقة منذ سنوات.
ويضع استخدام القوة المميتة في تفريق تظاهرات شعبية السلطة في مواجهة مباشرة مع قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، التي تحظر استخدام السلاح الناري إلا كملاذ أخير لحماية الأرواح، وهو ما لا يظهر في غالبية هذه الحالات.
السلطة خط الدفاع الأول عن الاحتلال
قدّم الكاتب والمحلل السياسي فايز أبو شمالة قراءة سياسية حادة لما يجري، معتبرًا أن سلوك أجهزة السلطة يرسّخ دورها بوصفها “خط الدفاع الأول عن الاحتلال الإسرائيلي”.
واستند أبو شمالة في تحليله إلى حادثة كمين نُصب للشاب المطارد سامر سمارة من بلدة طمون شمال الضفة، حيث أطلقت الأجهزة النار عليه قبل اعتقاله، في عملية انتهت، وفق روايته، بمقتل اثنين من أبنائه.
وتمثل هذه الحادثة، بحسب أبو شمالة، امتدادا لمسار طويل من الملاحقة والتصفية والاعتقال بحق شبان يرفضون الاحتلال ويقاومون الاستيطان.
ويربط هذا الطرح بين ما يجري اليوم وبين مسار سياسي وأمني بدأ مع توقيع اتفاقية أوسلو قبل 33 عامًا. خلال هذه الفترة، تولت أجهزة السلطة مهمة ضبط الوضع الأمني الداخلي ومنع أي عمل مقاوم، تحت عناوين “حماية المشروع الوطني” و“تحقيق حل الدولتين”.
لكن النتيجة العملية، وفق هذا التقييم، كانت توسعًا استيطانيًا غير مسبوق، وسيطرة إسرائيلية على معظم أراضي الضفة ومفارقها الحيوية، وصولًا إلى تسجيل أكثر من 60% من الأراضي كـ“أملاك دولة” إسرائيلية.
ويجعل هذا السياق من القتل خارج القانون مسألة تتجاوز البعد الأمني المباشر، لتتحول إلى جزء من معادلة سياسية أوسع، تُستخدم فيها الأجهزة الأمنية كأداة لإدارة السكان لا لحمايتهم، ولضبط أي مسار مقاوم بدل مواجهته سياسيًا.
ومع غياب الشفافية والمساءلة، تتكرس حالة الإفلات من العقاب، ويُغلق الباب أمام أي مراجعة جدية لدور الأجهزة الأمنية ووظيفتها.
والنتيجة المباشرة لهذا المسار هي تآكل ما تبقى من ثقة شعبية بالسلطة ومؤسساتها، واتساع الفجوة بينها وبين المجتمع، خصوصًا في مناطق المواجهة مع الاحتلال.
ومع استمرار القتل خارج القانون، وغياب أي أفق سياسي، تتحول الأجهزة الأمنية من عنصر استقرار مزعوم إلى عامل تفجير داخلي، يفاقم الانقسام ويضع الضفة الغربية أمام مرحلة أكثر هشاشة، في ظل احتلال يتقدم بلا كلفة، وسلطة تواجه شعبها بدل أن تواجه الاحتلال.





