معالجات اخبارية

تعليم بلا إنقاذ: كيف عمّق تقاعس السلطة وانتهاكات الاحتلال انهيار التعليم الفلسطيني؟

تتفاقم أزمة التعليم في فلسطين على نحو غير مسبوق، بفعل تداخل ثلاثة عوامل رئيسية تتضمن سياسات الاحتلال الإسرائيلي، والتقاعس المزمن للسلطة الفلسطينية عن حماية قطاع التعليم، والأزمة المالية الخانقة التي تُدار بعقلية “تقليل الخسائر” بدل البحث عن حلول جذرية.

وقال موقع ميدل إيست آي البريطاني إن نتيجة تقاعس السلطة وانتهاكات الاحتلال، وفق معلمين وأهالٍ وخبراء تربويين، أدى إلى جيل يفقد مهاراته الأساسية تدريجيًا في مجتمع كان التعليم أحد أعمدته التاريخية.

وأشار الموقع إلى أنه للعام الثاني على التوالي، تراقب نيفين حمد من رام الله تراجع مستوى ابنها جلال الدين، الذي كان حتى وقت قريب من بين أفضل ثلاثة طلاب في صفه. اليوم، في الفصل الدراسي الثاني من الصف التاسع، تقول إن مهاراته في القراءة والكتابة باتت أضعف بشكل ملحوظ.

تقول حمد “يبدو وكأنه توقف عن التقدم منذ الصف السابع”، مشيرة إلى أن المدرسة الحكومية التي التحق بها ابنها اختيرت بعناية، وكانت نموذجية من حيث المرافق والبرامج التعليمية. لكن خلال السنوات الثلاث الماضية، تغيّر كل شيء.

السلطة الفلسطينية ويكيبيديا

شكلت الأزمة المالية داخل السلطة الفلسطينية نقطة التحول الأبرز. فمنذ عام 2021، بدأت الحكومة بدفع رواتب جزئية للموظفين العموميين، وصلت أحيانًا إلى 60% وبصورة غير منتظمة، ما دفع العاملين في قطاع التعليم—الذين يشكلون أكثر من نصف موظفي القطاع العام—إلى إضرابات مطولة.

وأبرز الموقع أن هذه الإضرابات، إلى جانب آثار جائحة كوفيد-19، أدخلت النظام التعليمي في حالة شلل شبه دائم.

ومع بداية العام الدراسي 2025/2026، قررت وزارة التربية والتعليم خفض عدد أيام الدراسة إلى ثلاثة أيام أسبوعيًا، بعد تأجيل الفصل أسبوعًا كاملًا.

وكان هذا التخفيض الثاني خلال عامين، بعدما جرى تقليص الأسبوع الدراسي سابقًا من خمسة أيام إلى أربعة. عمليًا، خسر الطلاب ما يقارب نصف وقتهم الدراسي ومناهجهم التعليمية، دون أي خطة واضحة للتعويض.

تراجع حاد في مهارات القراءة والكتابة

يقول أولياء أمور ومعلمون إن الأثر بات جليًا: تراجع حاد في مهارات القراءة والكتابة، وفقدان متزايد للدافعية، وتحذيرات من “أمية تدريجية” تهدد جيلًا كاملًا.

وتحاول نيفين وزوجها تعويض النقص عبر الدروس الإلكترونية، لكنها تؤكد أن ذلك لا يغطي المواد المعقدة، وأن ابنها بات يقضي وقتًا أطول على الأجهزة الإلكترونية بدل الدراسة، وتقول “لا يمكننا استبدال التعليم المدرسي هو بالكاد يحصل على نصف المنهج”.

ويوضح ماجد أبو داود، المشرف التربوي المتقاعد، أن المنهج الفلسطيني المعتمد منذ 2017 صُمم ليُدرّس على مدى 182 يومًا دراسيًا. لكن تقليص الأسبوع الدراسي أجبر المعلمين على ضغط المحتوى في حصص لا تتجاوز 40 دقيقة، مع اعتماد “حزم تعليمية” مختصرة.

ويقول أبو داود “من المستحيل إكمال المنهج في ثلاثة أيام أسبوعيًا”، محذرًا من تآكل جدية التعليم وازدياد فقدان الحافز لدى الطلاب.

ووفق معايير دولية، يجب ألا يقل عدد أيام الدراسة عن 182 يومًا سنويًا. إلا أن طلاب المدارس الحكومية في الضفة الغربية لم يحضروا أكثر من 50 يومًا خلال الفصل الدراسي الأول من العام الحالي، بحسب الائتلاف الفلسطيني للتعليم.

ويعني ذلك خسارة تعليمية تقترب من نصف المنهج، دون أي برنامج وطني شامل لاستعادة الفاقد.

ويصف نسيم قبها، عضو الائتلاف، ما يجري بـ”الاغتراب التعليمي”، حيث ينتقل الطلاب إلى صفوف أعلى دون امتلاك المهارات الأساسية، خصوصًا في الكتابة والتعبير. هذا الواقع دفع كثيرًا من العائلات إلى البحث عن حلول فردية مكلفة: التعليم المنزلي، أو المدارس الخاصة، أو الدروس الخصوصية.

تشرذم جغرافي حاد

في الوقت نفسه، يعاني النظام التعليمي من تشرذم جغرافي حاد. ففي الضفة الغربية، تعمل معظم المدارس الحكومية ثلاثة أيام أسبوعيًا، بينما تستمر المدارس الخاصة ومدارس القدس الشرقية بالدوام الكامل. أما في قطاع غزة، فقد أدت حرب الإبادة الإسرائيلية منذ 2023 إلى تدمير المدارس وحرمان مئات الآلاف من الطلاب من التعليم بالكامل.

وفي بعض مناطق الضفة، توقفت الدراسة نهائيًا بسبب الغارات العسكرية وعنف المستوطنين. غوسون يوسف كعبنة (7 أعوام)، من تجمع شلال العوجا البدوي شمال أريحا، نزحت مع عائلتها بسبب هجمات المستوطنين، ولم تتمكن من الالتحاق بأي مدرسة.

“أريد العودة إلى المدرسة والتعلم مع أصدقائي”، تقول، بينما يؤكد والدها أن جميع الأطفال النازحين في المنطقة خارج النظام التعليمي.

ورغم إقرار وزارة التربية والتعليم بوجود تراجع كبير، إلا أن تعاملها مع الأزمة يُوصف بأنه إدارة أضرار لا خطة إنقاذ.

ويعترف مساعد وكيل الوزارة أيوب عليان بتراجع الأداء، لكنه يلقي باللوم على الاحتلال ونقص التمويل، مشيرًا إلى أن الحضور الكامل “مستحيل” في ظل الرواتب الجزئية.

ويقر بأن إجراءات الوزارة لا تعالج سوى جزء ضئيل من الضرر، وأن التعافي قد يستغرق ثلاث إلى أربع سنوات.

في المقابل، يرى نقابيون وخبراء أن الأزمة ليست مالية فقط، بل سياسية أيضًا. يقول رئيس نقابة المعلمين سعيد أرزيقات إن جعل التعليم أولوية حقيقية في الموازنة هو الحل، داعيًا إلى شفافية حكومية.

ويتهم مجلس أولياء الأمور المركزي الوزارة بتجاهل مقترحات تمويل بديلة، وبالفشل في قياس حجم الفاقد التعليمي منذ سنوات.

ويحمّل رفعت الصباغ، رئيس التحالف الفلسطيني للتعليم، الوزارة جزءًا أساسيًا من المسؤولية، مؤكدًا أن طريقة إدارتها لإضرابات المعلمين أضعفت التزام الكادر التعليمي. ويحذر من أن التراجع الحالي أخطر من أي مرحلة سابقة، في ظل صدمات نفسية يعيشها الطلاب والمعلمون دون دعم كافٍ.

وبينما تُطرح أفكار عن بدائل تعليمية خارج المدارس، على غرار ما حدث خلال الانتفاضة الأولى، يشكك مختصون في جدواها اليوم دون إطار وطني جامع. ومع استمرار الاحتلال وتقاعس السلطة، يبقى التعليم الفلسطيني عالقًا في أزمة مفتوحة، يدفع ثمنها جيل كامل يُترك دون إنقاذ حقيقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى