تمشيط بالوكالة: كيف يستخدم الاحتلال عملائه في أنفاق رفح ويحوّلهم إلى دروع بشرية؟

نشرت صفحات محسوبة على عصابات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، صورة تُظهر عملاء في تلك العصابات يشاركون في تمشيط أحد أنفاق المقاومة في رفح، وقدّمتها بوصفها “إنجازًا” أمنيًا.
غير أن الصورة في سياقها الحقيقي تكشف مشهدًا أكثر قسوة ممثلا باستخدام الاحتلال لعملاء محليين كأدوات ميدانية عالية المخاطر، تُدفع إلى مقدمة المشهد بينما يبقى جنوده بعيدين عن الخطر المباشر.
وتظهر الصورة، كما تداولتها حسابات العصابات، عناصر مزوّدين بمعدات بسيطة داخل تجويف صخري ضيق، في مهمة تمشيط لأنفاق يُفترض أنها مفخخة أو قابلة للانهيار في أي لحظة.
ويرى مراقبون أن الصورة تعبر عن وظيفة محفوفة بالموت تُسند عمدًا إلى غير الجنود النظاميين للاحتلال، حيث القاعدة الميدانية معروفة: من يفتش أولًا هو من يدفع الثمن إذا انفجرت عبوة أو انهار نفق.
من هنا، يتبدد أي ادعاء بالفخر. فالمهمة التي تُقدَّم دعائيًا بوصفها “تعاونًا أمنيًا” ليست سوى استخدامٍ محسوبٍ للبشر كخط دفاع أول، يختبرون الأرض والفراغ والكمائن بدلًا عن القوات النظامية.
بهذا المعنى، لا يراهن الاحتلال على “كفاءة” هؤلاء بقدر ما يراهن على قابليتهم للاستهلاك من دون كلفة سياسية أو عسكرية تُذكر.
عصابات الاحتلال في غزة ويكيبيديا
الأخطر من الصورة نفسها هو الخطاب المرافق لها. فالتفاخر بالعمل تحت أوامر الاحتلال يحاول قلب المعادلة الأخلاقية، وتحويل التعاون الميداني إلى “واجب”، وإعادة تعريف الخطر بوصفه “شرفًا”.
لكن الوقائع لا تتبدل بالخطاب، حيث في العمليات المعقّدة داخل الأنفاق، تُوزَّع المخاطر بصرامة، ويُدفع غير النظاميين إلى الواجهة. إذا وقع الانفجار، تكون الخسارة “محلية”؛ وإذا نجت المهمة، يُسجَّل الإنجاز للاحتلال.
وتاريخيًا، اعتمدت قوى احتلال على عملاء محليين لأداء أعمال قذرة أو عالية الخطورة: الاستطلاع الأولي، التمشيط، كشف العبوات، جمع المعلومات في بيئات معادية. بهدف تقليل خسائر القوة المحتلة وتعظيم المسافة بينها وبين الموت وهو ما يعاد إنتاجه حرفيًا في رفح، لكنها تُغلَّف اليوم بواجهة دعائية فجة.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن سياق أوسع في الأراضي الفلسطينية، حيث يجري تحويل “التنسيق” إلى أداة لضبط المجتمع بدل حمايته.
ففي الضفة الغربية، تُستنزف طاقات أمنية كبيرة في ملاحقة المقاومين وقمع أي فعل اشتباك، بينما يُترك الاحتلال ليحدد الإيقاع النهائي. وفي غزة، يُعاد تدوير وكلاء ميدانيين لأداء مهام لا يريد الاحتلال أن يضع جنوده في قلبها.
والسؤال الذي تطرحه الصورة بحدّة: لصالح من تُخاطر هذه المجموعات بحياتها؟ الإجابة العملية لا تحتاج تنظيرًا. فالمستفيد المباشر هو القوة المحتلة التي تقلّل خسائرها وتُبقي جنودها خارج دائرة الخطر الأول. أما “المنفذ” المحلي، فلا يحصد سوى وهم الاعتراف المؤقت، قبل أن يُستبدل بغيره في المهمة التالية.
ويشدد المراقبون على أن ما يجرى في رفح ليس “تفوقًا أمنيًا” ولا سببًا للفخر بل مثال صارخ على كيف يستخدم الاحتلال وكلاءه كخط تماس أول، وكيف يُعاد إنتاج التعاون بوصفه بطولة، فيما هو في الحقيقة استهلاكٌ ميدانيٌ بارد.




