تحليلات واراء

الاعتراف بإقليم صوماليلاند.. خطوة تكشف مشروع إسرائيل الإقليمي الأكبر

يفضّل الموقف الاستراتيجي الإسرائيلي حالة الحرب الدائمة على الصفقات السياسية التي قد تُقيّد أي عدوان مستقبلي. ويُعدّ اعترافها بإقليم صوماليلاند جزءًا من هذه الاستراتيجية، ومحاولةً لغرس أول راية لإمبراطورية محتملة في أفريقيا بحسب ما أبرز موقع Mondoweiss الإخباري الأمريكي.

وأشار الموقع إلى أنه بينما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “سلامًا أبديًا” في المنطقة خلال أكتوبر الماضي، شرعت دولة الاحتلال في تصعيد عملياتها العسكرية بشكلٍ كبير، وشنّت هجمات متكررة في فلسطين وسوريا ولبنان وغيرها.

ففي غزة، انتهكت دولة الاحتلال وقف إطلاق النار أكثر من ألف مرة، وفي لبنان واصلت استهداف قوى المقاومة، بينما سعت في سوريا إلى زعزعة استقرار النظام الجديد عبر تأجيج الانقسامات الطائفية. ومؤخرًا، عادت إلى قرع طبول الحرب مع إيران.

في هذا السياق، لا يمكن فصل الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند عن مسعى أوسع لبسط النفوذ الإقليمي، وتحدّي الوجود التركي في الصومال، والاقتراب جغرافيًا من اليمن وإيران تحسّبًا لمواجهات مستقبلية.

مشروع إسرائيل الكبرى ويكيبيديا

نبه الموقع إلى أن البعض قد يرى في هذا المسار فشلًا للسياسة الإسرائيلية، إذ تعجز عن تحويل النجاح العسكري إلى واقع سياسي جديد، وتستمر الحرب فيما يبقى الأفق السياسي جامدًا.

ويُقال إن النجاح العسكري، من دون تحوّل سياسي، يبقى عابرًا: حاسمًا ظاهريًا، لكنه عاجز عن تغيير الظروف البنيوية التي تُنتج المقاومة وتُبقيها حيّة.

غير أن هذا التوصيف يُخفي حقيقة أكثر أهمية. فإسرائيل ترى في أي ترتيب سياسي ثابت—حتى لو كان في صالحها—عبئًا يقيّد حريتها في العمل العسكري. لم تعد الحرب حالة استثنائية، بل أصبحت نمط حياة وأداة طبيعية لإدارة النظام الإقليمي.

وتشير التحركات الإسرائيلية في سوريا ولبنان، إلى جانب إعادة تموضعها الإقليمي الأوسع، إلى تفضيل استراتيجي واضح لنموذج الصراع المُدار والدائم بدلًا من تسوية سياسية مستقرة لا يمكن التراجع عنها.

وفي الوقت الراهن، يبدو هذا النموذج مستدامًا بالنسبة لإسرائيل، لأن كلفته تُصدَّر إلى الخارج: تتحمّلها المجتمعات الطرفية والمعادية، بينما تبقى الجبهة الداخلية الإسرائيلية بمنأى نسبي عن الاضطرابات.

وغياب التسوية النهائية ليس عائقًا، بل ميزة. فالحرب الدائمة، طالما بقيت منقولة جغرافيًا ومتوسطة تكنولوجيًا، تتيح لإسرائيل تأجيل الحل السياسي مع الحفاظ على المبادرة الاستراتيجية، وترك الباب مفتوحًا أمام أي عمل عسكري أحادي في المستقبل.

فرض المناطق العازلة الإسرائيلية

بحسب موقع Mondoweiss ينعكس المنطق الإسرائيلي في تطورين رئيسيين: أحدهما مكاني، والآخر جيوسياسي.

فعلى المستوى المكاني، تعمل دولة الاحتلال على توسيع بنيتها العازلة في سوريا، وتشتيت تشكيلات المقاومة في جنوب لبنان، وتوسيع المنطقة العازلة داخل غزة من خلال ضمّ أجزاء إضافية من القطاع إلى نطاق سيطرتها ضمن ترتيبات طويلة الأمد تستند إلى منطق «المحيطات الأمنية» والإدارة الاستباقية للتهديدات.

أما التطور الجيوسياسي، فيتجلى في تورّط إسرائيل المتزايد في تعقيدات التنافس الإقليمي بين القوى الساعية للنفوذ. فالصراع السعودي–التركي–القطري حول مستقبل سوريا، على سبيل المثال، يُظهر كيف يدعم كل طرف فصائل مختلفة ويسعى لرؤى متناقضة، مع اتفاقهم جميعًا على عدم استبعادهم من أي تسوية قادمة.

في هذا الإطار، تعمل دولة الاحتلال على توثيق علاقاتها مع اليونان وقبرص، وبناء شبكة شراكات في شرق المتوسط تبدو محاولة واضحة للالتفاف على تركيا، التي أصبحت المنافسة معها أكثر علنية.

والتحالفات هنا لا تتبع خطوطًا أيديولوجية ثابتة. فقد يتحول عدو الأمس إلى شريك ظرفي اليوم. تتعاون دولة الاحتلال مع السعودية في بعض الملفات، بينما تراقب تمويلها لمشاريع تتعارض مع مصالحها في ساحات أخرى. كما تتأرجح العلاقة الإسرائيلية–التركية بين تعاون اقتصادي عملي وتنافس حاد على النفوذ في سوريا وشرق المتوسط.

ورغم أن هذا النهج الهجومي الدائم يمنح تل أبيب هامش مناورة أوسع، فإنه يخلق في الوقت ذاته التزامات ونقاط ضعف جديدة، لا سيما مع اتساع شبكة الشركاء، بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة. فالمزيد من الخيارات يعني بالضرورة المزيد من التناقضات المحتملة.

أرض الصومال: مناورة القرن الأفريقي

يُعدّ الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند في 26 ديسمبر/كانون الأول 2025 أكثر خطواتها جرأة حتى الآن. فهو يضيف طبقة جديدة إلى مشهد إقليمي معقّد، ويتقاطع مع منافسة مباشرة مع تركيا في القرن الأفريقي، ومع محاولات احتواء أنصار الله في اليمن وقدرتهم على تعطيل طرق التجارة.

وتحتفظ تركيا بأكبر قاعدة عسكرية لها في الخارج في الصومال منذ عام 2017، وقد درّبت آلاف الجنود الصوماليين، وحصلت على حقوق حصرية لتحديث البحرية الصومالية وتأمين مياهها الإقليمية. هذا الحضور حوّل الصومال تدريجيًا إلى دولة شديدة الارتباط بالبنية الأمنية التركية.

في هذا السياق، لا يبدو الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند مجرد بادرة دبلوماسية، بل محاولة لترسيخ موطئ قدم بالقرب من شبكات النفوذ المتنافسة. فموقع صوماليلاند مقابل اليمن يتيح لإسرائيل مراقبة أنشطة أنصار الله، وفي الوقت نفسه تعقيد الطموحات التركية.

وهكذا، تتداخل مشاريع متعددة: البنية التحتية العسكرية التركية، ومسارات الدعم الإيراني لأنصار الله، والاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند كمحاولة لعرقلة الطرفين. ورغم بساطة الخطوة ظاهريًا، فإن صداها يمتد عبر مسارح استراتيجية عدة: القرن الأفريقي، البحر الأحمر، النفوذ التركي، التحالف الإماراتي–الإسرائيلي، ومحور المقاومة الأوسع.

إضفاء الطابع الإقليمي على استراتيجية الحرب الدائمة

في جوهرها، تُفهم هذه الخطوة—كما هو حال معظم السلوك الإسرائيلي—كجزء من استعداد أوسع لحرب مستقبلية. فالحرب الدائمة ليست حالة طارئة يجب تجنبها، بل نموذج حكم يُدار ويُوسّع ويُهيّأ مسبقًا.

لا تسعى دولة الاحتلال إلى توسيع سيطرتها بهدف الحكم المباشر، بل بهدف تشكيل بيئات قادرة على امتصاص الصدمات. هذا النموذج، الذي طُبّق لعقود داخل فلسطين، يجري الآن تعميمه إقليميًا.

غير أن توسيع هذا النطاق يولّد أثرًا غير مقصود: إعادة إحياء فكرة «الساحة الموحدة»، وتشجيع التنسيق بين قوى المقاومة التي كانت تعمل سابقًا في مسارات منفصلة. فكلما طال أمد التشابك الإقليمي، تآكلت الحدود بين الساحات، وازدادت دوافع العمل المشترك.

ويخلص الموقع الأمريكي إلى أن الحرب الإسرائيلية التي لم تحقق نصرًا حاسمًا ليست شذوذًا ولا فشلًا عارضًا، بل التعبير الأكثر نضجًا عن نظام سياسي عاجز عن حلّ المقاومة أو قبول تسويتها، فيعيد تنظيم القوة والدبلوماسية والجغرافيا حول إدارة دائمة للصراع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى