وثائق تكشف تفاصيل جديدة عن تجميد حسابات في بنك فلسطين بغزة

أثارت وثائق ومعطيات مصرفية جدلًا حول طبيعة الإجراءات المتخذة بحق عدد من الحسابات البنكية في قطاع غزة، في ظل أزمة سيولة خانقة يعتمد معها آلاف المواطنين على حساباتهم المصرفية للوصول إلى أموالهم وتسيير احتياجاتهم اليومية.
وتشير الوثائق إلى وجود حسابات خضعت للحظر، وأخرى وُضعت تحت المتابعة، فيما تربط مصادر مصرفية هذه الإجراءات بتعليمات ذات طابع أمني.
وتطرح هذه المعطيات تساؤلات حول الأساس الذي تستند إليه مثل هذه الإجراءات، وما إذا كانت تندرج ضمن إجراءات الامتثال المصرفي المعتادة أم تتجاوزها إلى نطاقات أخرى.
وتأتي هذه القضية وسط حديث عن إجراءات شملت تجميد حسابات أو إغلاقها أو تقييد قدرة أصحابها على الوصول إلى أموالهم، في وقت تتفاقم فيه أزمة النقد داخل القطاع.
بنك فلسطين بغزة
وقال رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان رامي عبده، إن بنك فلسطين أنشأ خلال الأشهر الماضية، وفق المعلومات التي أوردها، منظومة داخلية لمتابعة بعض العملاء، معتبرًا أنها تتجاوز المهام التقليدية المرتبطة بالامتثال المصرفي.
وأوضح عبده، في منشور عبر منصة “ميتا”، أن موظفين في هذه المنظومة يتولون البحث عن معلومات مرتبطة ببعض العملاء، خصوصًا من يُشتبه بوجود صلات أو نشاطات سياسية لهم، إلى جانب الاستفسار عن أنشطتهم وعلاقاتهم.
وأضاف أن لجنة من موظفين داخل البنك تتولى متابعة بعض الحسابات والتحقق منها، مدعيًا أن عددًا من أفرادها تلقوا تدريبات من جهات أمنية إسرائيلية وأمريكية.
وبحسب عبده، فإن هذه المتابعة لا تقتصر على فحص حركة الأموال داخل الحسابات، وإنما تشمل، في بعض الحالات، التواصل مع العملاء أو جمع معلومات عنهم، إلى جانب زيارات ميدانية لأنشطة تجارية بهدف التحقق من أصحابها وطبيعة أعمالهم.
وقال إن المعلومات التي يتم جمعها يمكن أن تُستخدم في اتخاذ إجراءات بحق الحسابات، بينها التجميد أو الإغلاق أو تقييد التصرف بالأموال.
ويرى عبده أن صحة هذه الممارسات، في حال إثباتها، تثير إشكالات تتعلق بحدود الدور الذي يمكن للمؤسسة المصرفية القيام به في جمع المعلومات عن عملائها، وبالأساس القانوني لمثل هذه الإجراءات.
كما دعا إلى توضيح معايير الاشتباه والجهات التي يمكن أن تصل إليها المعلومات التي يتم جمعها، مؤكدًا ضرورة الفصل بين متطلبات مكافحة الجرائم المالية وبين أي نشاط تحرٍّ أمني خارج الإطار المصرفي.
تجميد حسابات في بنك فلسطين
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي نائل موسى إن التعامل مع الحسابات المصرفية يفترض أن يخضع لقواعد قانونية ومصرفية محددة، معتبرًا أن إغلاق الحساب أو منع صاحبه من الوصول إلى أمواله ينبغي أن يستند إلى سبب واضح يمكن مراجعته.
وأوضح أن بعض الإجراءات التي تطال حسابات مواطنين قد تكون مرتبطة بطلبات أو ضغوط أمنية تصل إلى المؤسسات المصرفية، وليس بالضرورة بمخالفة مصرفية ارتكبها صاحب الحساب.
وأشار موسى إلى أن الإشكالية لا تتعلق فقط بإغلاق الحسابات، وإنما تشمل أيضًا الحالات التي يُمنع فيها العميل من استخدام أمواله أو التصرف بها لفترات طويلة.
وقال إن التمييز بين إجراءات الامتثال التي تفرضها القوانين لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وبين إجراءات تستند إلى طلبات أمنية أو سياسية، أمر أساسي لضمان حقوق أصحاب الحسابات والحفاظ على الثقة بالقطاع المصرفي.
ويربط المختص الاقتصادي محمد أبو جياب جانبًا من هذه الإشكالية بطبيعة النظام المالي الفلسطيني وعلاقته بالنظام المصرفي الإسرائيلي.
وقال إن الترتيبات الاقتصادية التي نشأت في أعقاب اتفاق أوسلو وبروتوكول باريس أبقت جزءًا مهمًا من حركة الأموال الفلسطينية مرتبطًا بالمنظومة المصرفية الإسرائيلية، التي تشكل إحدى القنوات الأساسية للتحويلات المالية بين الجانبين.
وأضاف أن الحرب على غزة جعلت القيود المفروضة على حركة الأموال أكثر حضورًا، مشيرًا إلى إجراءات قال إنها اتخذت تحت عناوين أمنية، بينها حجب أو تقييد بعض الأموال والحسابات.
وبحسب أبو جياب، فإن المصارف الفلسطينية تعمل في هذه البيئة بين متطلبات الالتزام بالأنظمة المصرفية من جهة، والضغوط والمخاطر المرتبطة بعلاقتها بالنظام المالي الإسرائيلي من جهة أخرى.
وأكد أن تحميل البنوك وحدها مسؤولية هذه الإشكالات لا يعالج أصل المشكلة، معتبرًا أن معالجة ملف السيادة المالية تتطلب دورًا من الجهات الرسمية المسؤولة عن إدارة القطاع المصرفي.
وأشار إلى أن سلطة النقد الفلسطينية هي الجهة المنظمة لعمل المصارف، وبالتالي فإن أي إشكالات تتعلق بتجميد الحسابات أو القيود على حركة الأموال تحتاج إلى توضيح رسمي بشأن الأسس القانونية والإجرائية التي تحكمها.
رد بنك فلسطين
وفي رده على ما ورد في الوثائق والاتهامات، نفى ربيع دويكات، رئيس دائرة الاتصال المؤسسي في بنك فلسطين، صحة الوثائق المتداولة وما تضمنته من حديث عن وجود إجراءات أمنية داخل البنك للتحري عن العملاء.
وقال إن البنك لا يعمل وفق الآلية التي جرى وصفها، ونفى وجود منظومة أمنية داخلية بالصيغة التي وردت في الاتهامات.
وفي المقابل، أقر دويكات بوجود حسابات مصرفية مجمدة، لكنه أكد أن عددها محدود مقارنة بإجمالي الحسابات القائمة، موضحًا أن التجميد لا يتم بناءً على تعليمات أمنية، وإنما بقرارات تصدر عن سلطة النقد الفلسطينية باعتبارها الجهة الناظمة لعمل القطاع المصرفي.
ويضع هذا التباين بين ما تتحدث عنه الوثائق والمصادر من جهة، ونفي البنك من جهة أخرى، مسألة الأساس القانوني لتجميد الحسابات وإجراءات متابعتها أمام الحاجة إلى توضيحات رسمية بشأن الجهات التي تصدر قرارات التجميد، والمعايير المعتمدة في اتخاذها، والضمانات المتاحة لأصحاب الحسابات للاعتراض عليها.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة في قطاع غزة، حيث يمثل الحساب المصرفي بالنسبة لكثير من المواطنين الوسيلة الأساسية للوصول إلى أموالهم، في ظل صعوبة الحصول على السيولة النقدية وتراجع قدرة السكان على إجراء معاملاتهم المالية بصورة طبيعية.





